مصطلح الإسلام السياسي (2)

  • 87

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالدولة في مفهومها القانوني كيان له ثلاثة عناصر:

1- شعب.

2- إقليم يعيش الشعب فيه.

3- حكومة تسوس هذا الشعب.

وبهذا المفهوم أقام الإسلام دولته بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، والدولة بهذا المفهوم لها دين، حيث إن ثلثي عناصرها: "الشعب والحكومة" بشر مكلَّفون، وليسوا جمادات؛ لذلك نصَّت كثيرٌ مِن الدساتير العالمية على دين الدولة، بل بعضها تنص أيضًا على المذهب الرسمي.

وعلى سبيل المثال لا الحصر:

1- ينص دستور الدنمارك -في القسم الرابع- على: "أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الكنيسة المعترف بها من قِبَل دولة الدنمارك، وعليه ستتولى الدولة دعمها".

2- وفي المادة الثانية من دستور النرويج نص على: "أن الإنجيلية اللوثرية ستظل الدين الرسمي للدولة، ويلتزم السكان المعتنقون لها بتنشئة أولادهم بموجبها".

3- وفي أيسلندا، تنص المادة 26 من الدستور على: "أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي كنيسة الدولة، بموجب هذه ستظل هذه الكنيسة مدعومة ومحمية من قِبَل الدولة".

4- وفي إنجلترا أقر البرلمان مختلف النظم الأساسية التي تعد القانون الأعلى والمصدر النهائي للتشريع (أي: الدستور القانوني)، وجاء فيه: "إن كنيسة إنجلترا هي الكنيسة المعترف بها، وإن العاهل الإنجليزي بحكم منصبه، هو الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا، وهو متطلب مقرر في قانون التسوية لعام 1701م، بأن ينضم كنسيًّا لمجتمع كنيسة "إنجلترا"، وكجزءٍ مِن مراسم التتويج يطالب العاهل بأن يؤدى القسم "بالحفاظ على التسوية المبرمة مع كنيسة إنجلترا، وأن يحفظها بدون خروقات، كما يحفظ العقيدة والشعائر والنظام وطرق إدارتها وحكمها، وذلك بموجب القانون الذي تم إقراره في إنجلترا"، وذلك قبل التتويج بواسطة الأسقف الأعلى للكنيسة رئيس أساقفة كانتربري.

5- وفي إسكتلندا -حيث الكنيسة المشيخية- المعترف بها رسميًّا، يؤدي العاهل الجديد القسم في مجلس اعتلاء العرش، ويقسم جميع رجال الدين في الكنيسة يمين الولاء للعاهل قبل توليه منصبه.

6- وفي الأرجنتين الكاثوليكية ينص الدستور في القسم الثاني على: "أن الحكومة الاتحادية تدعم الديانة الرومانية الكاثوليكية الرسولية".

7- وفي إسبانيا الكاثوليكية ينص الدستور في المادة 16 على: "أنه على السلطات العامة أن تأخذ في الاعتبار المعتقدات الدينية للمجتمع الإسباني، والحفاظ على علاقات التعاون المناسبة مع الكنيسة".

8- وفي السلفادور الكاثوليكية تنص المادة 26 من الدستور على: "أن الشخصية القضائية القانونية للكنيسة الكاثوليكية موضع اعتراف".

9- وفي كوستاريكا الكاثوليكية تنص المادة 75 من الدستور على: "أن الكاثوليكية الرومانية الرسولية هي دين الدولة، وهي تساهم في الحفاظ على الدولة".

10- أما اليونان الأرثوذكسية فإن الدستور يفصل في ذلك كثيرًا، وذلك عندما ينص في المادة الثانية من القسم الثاني على:

أ- "أن الديانة السائدة في اليونان هي ديانة كنيسة المسيح الأرثوذكسية الشرقية، والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، والتي تقرر وتتخذ من يسوع المسيح رأسًا لها، تتحد بلا انفصام في عقيدتها مع كنيسة المسيح العظمى في القسطنطينية، كما تتحد مع كل كنيسة تدين بنفس العقيدة بقدر التزامهم في المقابل، ودون أي شك أو مماراة بالشرائع والتقاليد الرسولية والمجامع المقدسة، وهي كنيسة مستقلة يديرها المجمع المقدس للأساقفة العاملين والمجمع المقدس الدائم المنبثق عنه، والمشكل على النحو المحدد في الإجراءات القانونية لملتزمة بالإعلان البطريركي الصادر في 29 يونيو سنة 1850م، والقانون الخاص بالمجلس الكنسي الصادر في سبتمبر سنة 1928.

ب- ولن يعتبر النظام الكنسي الموجود في مناطق معينة من اليونان مناقضًا للأحكام الواردة في الفقرة السابقة.

ج- ويجب الحفاظ على نص الكتاب المقدس دون تحريف، وتحظر الترجمة الرسمية للنص لآية صيغة لغوية أخرى دون موافقة مسبقة من الكنيسة المستقلة لليونان، وكنيسة المسيح العظمى في القسطنطينية.

هكذا نصت كثير من دساتير الدول الغربية المسيحية، التي تدعو للعلمانية والفصل بين الدين والدولة، والتي تدعو مسيحيتها إلى ترك ما لقيصر لقيصر نصت دساتيرها -رغم كل ذلك- على أن المسيحية هي دين الدولة، بل ونصَّت على المذهب المسيحي للدولة.

ولم تقف عند ذلك، بل نصت بعض هذه الدساتير على أن ترجمة الكتاب المقدس ممنوعة دون موافقة مُسبقة من الكنيسة، وعلى أن مِن مهام الدولة حفظ هذا الكتاب المقدس من التحريف.

ومما لا شك فيه أن طبيعة المسيحية تختلف عن الدين الإسلامي من حيث كونها عقيدة بلا شريعة شاملة: "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله".

فالفصل بين الدين والسياسة عندهم يتفق وطبيعة دينهم.

أما الذين ينادون بذلك ممَّن ينتسبون للإسلام فيمكن تقسيمهم لفريقين:

- فريق يجهل طبيعة الإسلام كدين، وقد يكون حسن النية.

- وفريق معادي له -باطنًا لا ظاهرًا- يتستر بهذه الدعاوى الباطلة.

أما أول مَن ألَّف في الفصل بين الدين والدولة -الدين والسياسة-، ممَّن ينتسب إلى الإسلام، فهو الشيخ علي عبد الرازق (1888: 1966 ميلادية)، المولود بمحافظة المنيا المصرية، والذي التحق بجامعة أوكسفورد البريطانية، وعقب عودته عُيِّن قاضيًا شرعيًّا؛ فقد أصدر كتاب: "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، بعد سقوط الخلافة، وقد استقبلت الدوائر الاستعمارية، والمراكز التبشيرية كتابه بالترحيب، والذي يخدم أهدافهم في السيطرة على العالم الإسلامي.

وتتلخص فكرة كتابه في: أن الشريعة الإسلامية عنده شريعة روحية محضة، جاءت لتنظيم العلاقة بين الإنسان وربه فقط، وأن ما بين الناس مِن المعاملات الدنيوية وتدبير الشؤون العامة فلا شأن للشريعة به، وليس من مقاصدها.

وزعم أن الدين لا يمنع مِن أن جهاد النبي كان في سبيل الملك، لا في سبيل الدين، ولا لإبلاغ الدعوة إلى العالمين، وجوَّز أن تكون الزكاة والجزية والغنائم، ونحو ذلك في سبيل الملك أيضًا، وجعل كل ذلك خارجًا عن حدود رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فلم ينزل به وحي، ولم يأمر به الله -تعالى-!".

والشيخ علي عبد الرازق لا يمنع أن يصادم صريح آيات الكتاب العزيز، فضلًا عن صريح الأحاديث المعروفة، ولا يمنع أنه ينكر معلومًا من الدين بالضرورة؛ فقد زعم أن نظام الحكم في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان موضع غموض، أو إبهام، أو اضطراب، أو نقص، وموجبًا للحيرة، وقد رضي لنفسه بعد ذلك مذهبًا، هو قوله: "إنما كانت ولاية محمد على المؤمنين ولاية رسالة غير مشوبة بشيء من الحكم".

وزعم أن مهمة النبي كانت بلاغًا للشريعة مجردًا عن الحكم والتنفيذ!

كما أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام، وعلى أنه لا بد للأمة ممَّن يقوم بأمرها في الدين والدنيا!

وأنكر أن القضاء وظيفة شرعية، وقال: "إن الذين ذهبوا إلى أن القضاء وظيفة شرعية جعلوه متفرعًا عن الخلافة، فمَن أنكر الخلافة أنكر القضاء، وزعم أن حكومة أبي بكر، والخلفاء الراشدين من بعده -رضي الله عنهم- كانت لا دينية، لا تستند على وحي، ولا إلى رسالة.

وقد قام بالرد على كتابه كلٌّ مِن: الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر حينئذٍ، والأستاذ أمين الرافعي، والشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية وقتئذٍ، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وغيرهم.

وأفتى بعض كبار العلماء بردته، منهم: الشيخ محمد شاكر، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد بخيت، والشيخ محمد رشيد رضا.

وقد عُقِدت له محاكمة في الأزهر مِن قِبَل هيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر حينئذٍ، وعضوية أربعة وعشرين عالمًا مِن كبار العلماء.

وبعد سماع دفاعه عن نفسه تم إخراجه مِن زمرة العلماء ومحو اسمه مِن سجلات الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى وطرده مِن وظيفته، كما حَكَمَ عليه مجلس تأديب القضاة الشرعيين بوزارة الحقانية -العدل- بالإجماع بفصله مِن القضاء الشرعي.

وفي عام 1945 تولى أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر.

وفي عام 1947 أصدر الملك فاروق عفوًا عن الشيخ علي عبد الرازق، وتم تعيينه وزيرًا للأوقاف في وزارة إبراهيم عبد الهادي باشا، كما شغل عضوية مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، ومجمع اللغة العربية.

ونقل البعض عودته عن كتابه قبل وفاته، واستدل بعدم إعادة طبعه، أو الرد على مخالفيه.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.