هل فات قطار طلب العلم؟!

  • 463

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

"ذكر أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه، فقال له المأمون: يا عم ما عندك فيما يقول هؤلاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، شغلونا باللعب في الصغر، واشتغلنا في الكبر. 

فقال: لمَ لا تتعلمه اليوم؟ قال: أوَيحسن بمثلي طلب العلم؟ قال: نعم والله؛ لأن تموت طالبًا للعلم خير مِن أن تعيش قانعًا بالجهل. قال: وإلى متى يحسن بي طلب العلم؟ قال: ما حسنت بك الحياة".

وقيل لعمرو بن العلاء: "هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش، فإنه يحسن به أن يتعلم!".

وسئل حكيم: "ما حد التعليم؟ فأجاب: حد الحياة.

واعلم أن كثيرًا من أهل العلم لم يبتدئ في الطلب إلا بعد كبرِّ السن:

- فالعالم العابد الزاهد الفضيل بن عياض -رحمه الله- كان قاطع طريق تاب وهو كبير، وانقطع للعلم والعبادة حتى صار إمامًا ثقة عابدًا، وشهد له بذلك أقرانه وتلاميذه.

- وهذا أصبغ بن الفرج، مفتي الديار المصرية في زمانه، طلب العلم وهو شاب كبير؛ لذا فاته مالك والليث. 

- والإمام الكسائي المقرئ المعروف وشيخ العربية، بدأ تعلم النحو وهو كبير في السن؛ بسبب لحن وقع فيه فعابه عليه جلساؤه، فتعلَّم علوم اللغة حتى صار إمامًا فحلًا.

- وكذلك أبو محمد بن حزم ذُكِر أن سبب تعلمه الفقه هو موقف حصل له، وكان قد بلغ ستا وعشرين سنة، فقال لنفسه: "إنني بلغتُ إلى هذا السن، وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات! فتعلم حتى بلغ ما بلغ". 

- وهذا العز بن عبد السلام كان أول أمره فقيرًا جدًّا، ولم يشتغل إلا على كبر، أخذ التنبيه فحفظه في مدة يسيرة، وأقبل على العلم، فكان من أعلم أهل زمانه وبلغت شهرته الآفاق.

- والإمام القفال، شيخ الشافعية، طلب العلم بعد ما صار ابن ثلاثين سنة بعد ما أفنى شبيبته في صناعة الأقفال، فترك صنعته، وأقبل على العلم فأحب الفقه، وأقبل على قراءته حتى برع فيه، وصار يضرب به المثل، ورحل إليه الفقهاء من البلاد، وتخرَّج به أئمة.

- والإمام ابن الجوزي بدأ دراسة القراءات وهو ابن سبعين سنة.

- والعالم النحوي خالد الأزهري المعروف بالوقاد طلب العلم بعد ما بلغ ستًا وثلاثين سنة حتى صار نحويًّا، وبلغت مؤلفاته الآفاق.

- والحارث بن مسكين لُقِّب بقاضي قضاة مصر، وإنما طلب العلم على كبر.

- والحافظ عيسى بن موسى أبو أحمد البخاري الأزرق، الملقب بغنجار، هو إمام عصره، مع أنه طلب العلم على كبر السن ورحل. 

- وغيرهم كثير ممَّن طلب العلم وهو كبير قديمًا وحديثًا في أخبارٍ كثيرةٍ يصعب حصرها.

وهناك من مشاهير المعاصرين مَن تعلَّم وهو يعمل كمدرسٍ أو بائعٍ في الشارع ، أو تاجر في السوق ، ومنهم مَن بدأ بعد الأربعين، بل مِن المتميزين في مجالهم العلمي اليوم مَن بدأ بعد سن التقاعد، والقصص في هذا كثيرة وعجيبة.

وقبل كل هذا؛ فلا ننسى أن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- بدأ الوحي ينزل عليه وهو في الأربعين، وجماعة من كبار أصحابه -رضي الله عنهم- لم يسلموا إلا بعد سن الثلاثين، بل منهم مَن أسلم وهو أكبر من ذلك، وصاروا إلى ما صاروا إليه في العلم والعمل.

فأبو بكر الصدِّيق -رضي الله عنه- أعلم هذه الأمة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، بدأ في طلب العلم قريبًا من الأربعين، والفاروق عمر، بدأ العلم قريبًا من الثلاثين، وهكذا غيرهم كثير من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك علَّق الإمام البخاري على أثر سيدنا عمر -رضي الله عنه-: "تفقهوا قبل أن تسودوا"، فقال: "وبعد أن تسودوا، وقد تعلم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في كبر سنهم".

وكذلك مِن علماء التابعين مَن تعلموا في الكبر: كصالح بن كيسان، وغيره.

أضف إلى ذلك: أن بعض العلماء يرى أن سماع الحديث يبدأ من سن الثلاثين! 

قال السيوطي -رحمه الله-: "قال جماعة من العلماء: يُستحب أن يبتدئ بسماع الحديث بعد ثلاثين سنة، وعليه أهل الشام ... ".

لذا فلأن كان السؤال: هل فاتت فرصة طلب العلم؟

فالجواب الأكيد: لا، لم يفت قطار طلب العلم. 

ثم فكِّر: ما هو البديل فيما بقي من العمر؟

وما أفضل ما تختم به حياتك غير تعلُّم العلم النافع والعمل به والدعوة إليه، فيكون علمًا نافعًا في الدنيا والآخرة.

سأل رجلٌ الإمامَ الكبير عبد الله بن المبارك: "لو أن الله أوحى إليك أنك تموت العشية، فماذا أنت صانع؟ فقال: أقوم وأطلب العلم حتى يأتي الممات!".

وقيل لابن المبارك: "إلى كم تكتب الحديث؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد".

ودخلوا على سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- في مرضه الذي مات فيه، فحدثه رجل بحديث، فأعجبه، وضرب بيده إلى تحت فراشه، فأخرج ألواحًا له، فكتب ذلك الحديث، فقالوا له: "على هذه الحالة منك؟! فقال: إنه حسن؛ إن بقيتُ فقد سمعت حسنًا، وإن مت فقد كتبت حسنًا!".

ويحكى أن أبا جعفر الطبري قبيل موته -وتوفي بعد ساعة أو أقل منها- فذكر له دعاء عن جعفر بن محمد، فاستدعى بمحبرة وصحيفة، فكتبها، فقيل له: "أوَفي هذه الحال؟! فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى يموت!".

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر"، واشتهر عنه قوله: "مع المحبرة إلى المقبرة". 

ويرى ابن قتيبة أنه: "لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل".

وقلبٌ ليس فيه شيء من الحكمة كالبيت الخرب، فتعلَّموا وعلِّموا، وتفقهوا، ولا تموتوا جُهَّالًا.

فينبغي لمَن حصل منه تقصير وتفريط في أوائل عمره ألا يفرِّط في أواخره وبقيته؛ إذ لا قيمة لما بقي من عمره إلا بذلك.

واعلم: أن الحزن على ما فات لم يأمر اللهُ به ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الله يحمد على الكيس ويلوم على العجز، فاحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وأعجز الناس مَن عجز عن الدعاء،  فاعملوا فكلٌ ميسر لما خُلِق له.