الفساد (114) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (5) من تاريخ الرقابة على السينما (1)

  • 60

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتجمع الرقابة على السينما في مصر بين الرقابة على سيناريو الفيلم قبل تصويره، وبين الرقابة على الفيلم بعد تصويره، مع إمكانية سحب ترخيص عرض الفيلم في أي وقت، لأي سببٍ تراه الرقابة، أي: أن تصريح الرقابة تصريح مؤقت بصفةٍ دائمةٍ.

ونظرًا لعدم تعرض قوانين الرقابة في مصر للمساس بنيجاتيف الفيلم الممنوع من العرض، فيمنع العرض دون المساس بنيجاتيف الفيلم، وإذا قررت الرقابة حذف أجزاءٍ من الفيلم فينفَّذ هذا الحذف في النسخ المخصصة للعرض العام دون النيجاتيف الأصلي الذي يبقى في حوزة صاحبه يمكنه أن يعرضه كاملًا في يوم من الأيام!

وقد صدر أول قانون للرقابة في مصر في 26 نوفمبر 1881، وهو: قانون الرقابة على المطبوعات، والذي يعد ردًّا على ثورة عرابي في سبتمبر 1881 بغرض الحدِّ من حرية الصحافة الوطنية.

ومع بدء ظهور العروض السينمائية في مصر عام 1896 كانت هذه العروض خاضعة لرقابة مأمور الشرطة مباشرة، وحسب تقديره الشخصي، وكذلك كانت العروض المسرحية.

ونظرًا لبدائية هذه العروض، كان الكلام عن الجانب الأخلاقي فيها على استحياء (وإن كانت بعض الإعلانات تشير وتنبِّه الجمهور كنوعٍ مِن الرقابة الذاتية من العارضين، وليس من الرقابة الرسمية)، ومنها مثلًا: (يعلن جون ملعب الحمراء عن برنامجه (وبه رقص غريب لم تتعوده أنظار الإسكندريين غير أن إدارة الملعب قد نبَّهت كرام السيدات لا سيما الآنسات منهن أن تمثيل هذه الليلة ربما مما لا يروق أعينهن، فهن معذورات إذا لم يحضرن) (راجع: "فجر السينما في مصر"، محمود علي، ط. مكتبة الأسرة - الهيئة المصرية للكتاب 2016، ص 120).

وفي عام 1904 أضيفت الرقابة على الأفلام السينمائية إلى قانون الرقابة على المطبوعات، (ومع ذلك لم تكن هناك رقابة حقيقية على مضمون ما يعرض، بل مجرد رقابة شكلية بناءً على شكاوى لمدير القسم الذي تتبعه دار العرض، وهي رقابة غير مجدية تحت كل المسميات؛ نظرًا لأن أصحاب هذه الدور كانت للأجانب، وتحت حماية الامتيازات الأجنبية حيث ترفع أي مخالفة أمام المحاكم المختلطة وإعلان القنصلتو التابع لها، صاحب المحل الأجنبي قبل التفتيش ... فضلًا عن تفاهة العقوبة التي لا تزيد عن الحبس مدة لا تزيد عن أسبوع، وبغرامة لا تتجاوز مائة قرش أو إحدى هاتين العقوبتين (المادة الخامسة والسابعة من القانون 13 لسنة 1904)، (وهو الامتياز الذي ظلَّ حتى اتفاقية مؤتمر مونرو سنة 1937، وقضى بإلغائها شكلًا على الأقل) (المصدر السابق، ص 121)

وفي 17 يوليو عام 1911 صدرت لائحة (التياترات) في إطار المكتب الفني في وزارة الداخلية، حيث كان هذا المكتب يُرَاقِب دور المسرح، ودور السينما والصحف، وكافة أنواع المطبوعات، وكان من المواد التي تضمنتها اللائحة التي وضعتها نظارة الداخلية للتياترات، ومحال الصور المتحركة (السينما توغراف)، وقهوة الموسيقى، وأشباهها، كما نشرتها جريدة الأهرام في 17 يوليو 1911 (المادة 10: ممنوع ما كان من المناظر أو التشخيص أو الاجتماعات مخالفًا للنظام والآداب، وللبوليس الحق في منع ما كان من هذا القبيل وإقفال التياترو عند الاقتضاء)، (وعن مراقبة هذه التياترات نقلت الأهرام عن الوقائع ما تقرر مِن أن لكلِّ تياترو أن يعين محلًّا خاصًّا لضابط من ضباط البوليس يراقب التمثيل، وغيره من المناظر والصور التي تُعرَض فيه، وأن يحكم في كلِّ مخالفة طبقًا لأحكام هذه اللائحة) (راجع: "تاريخ الرقابة على السينما في مصر"، سمير فريد، ط. الهيئة المصرية للكتاب مكتبة الأسرة 2016، ص 14-15).

وتعد هذه اللائحة أول عمل تنظيمي للإدارة للتدخل في شئون التياترات، وقد سبقتها تطورات دفعتْ إلى إصدارها، منها:

- انحسار وسائل الترفيه القديمة، مثل: القره كوز (الأراجوز)، وخيال الظل، وصندوق الدنيا، عن المدن، وانحصارها في الريف، حيث انتشرت في المدن ألوانًا جديدة من الترفيه على الطريقة الأوروبية، مثل: المسرح (التياترو)، والسينما غراف، والسيرك، وغيرها.

وتطورت بالتدريج المقاهي الموجودة في المدن الكبرى، والتي كانت مقاهٍ تقدِّم لروادها الراوي الذي ينشد القصص الشعبية: كالزناتي خليفة، وأبو زيد الهلالي، وسيف ذي يزن، إلى ملاهٍ ليلية أقرب إلى الكباريهات يرتادها الأجانب من اليونانيين والإيطاليين.

- ظهور طبقة جديدة من المثقفين الذين يرتادون المسارح، ومعهم طبقة من متوسطي الملاك خاصة بعد بيع محصول القطن كل عام؛ مما ساهم في ازدهار التياترات بكلِّ أنواعها؛ سواء المسارح الهزلية، أو المقاهي التي تقدِّم الفنون المبتذلة.

- قدوم رواد من الفن المسرحي من الشام إلى مصر في ظلِّ الأجواء المذكورة، والذي تبعه إنشاء المصريون أنفسهم لبعض (الأجواق)، والتي كانت تقدِّم روايات سياسية، إلى جانب (الراقصات والغواني اللائي كن يفدن في العادة من جنوب أوروبا، وكانت تكتظ بهم المقاهي الأجنبية وهو ما انتبه له واضعة لائحة التياترات).   

وكانت مصر قد عرفت خلال عصر الخديوي إسماعيل الأوبرا وهي دار التمثيل الرئيسية في القاهرة، وكانت مقتصرة على الفِرَق التمثيلية الأجنبية إلا في مناسبات قليلة التي كانت تقيم فيها إحدى الجمعيات الكبيرة احتفالا يحضره أحد كبار المطربين المصربين مثل: عبده الحامولي، ثم ظهرت مسارح أهلية قام بإقامتها أوروبيون خاصة في الإسكندرية حيث يكثر بها الأجانب، وكان أشهر هذه المسارح مسرح زيزينيا.

وكانت تزور مصر وبشكل دوري فرق مسرحية فرنسية وإيطالية تشخِّص رواياتها التي يقبل عليها جمهور من الأجانب المقيمين في مصر، ومن المصريين أبناء الطبقات العليا الذين يجيدون لغات تلك الفِرَق وكان ذلك وقتها صورة من صور الأبهة الاجتماعية.

وكانت حكومة مصر تدفع كل عام من ستة إلى سبعة آلاف جنيه لمساعدة الأجواق الأجنبية التي احتكرت تياترو الأوبرا؛ رغم أنه لا يشهد تمثيلها إلا أعداد محدودة (انظر في ذلك المصدر السابق، ص 19، 23).

وتلا ذلك ظهور فِرَق وفدت من الشام خاصة تقدِّم مسرحيات مترجمة حرفيًّا من نصوص أوروبية، وأحيانًا بتصرف محدود، وقد استدعى ذلك أن تلتفت الحكومة إلى ما يقدَّم على هذه المسارح -والتي احتضنت تقديم عروض السنيما الفوتوغرافية الأولى- من خلال إرسال عدد من البوليس السري تحت إمرة مأمور القسم الذي يقع التياترو في دائرته إلى كل تياترو في كل ليلة؛ لمنع ما لم تصرِّح الحكومة بعرضه أو منع مَن يريد إلقاء خطبة مهيجة يعاقب عليها القانون. 

ولمزيدٍ مِن الرقابة: صدر قرارٌ من وزارة الداخلية في أغسطس 1921 بمنع استيراد شرائط سينما فوتوغرافية من الخارج إلا بعد الحصول على ترخيص سابق من وزارة الداخلية؛ لمنع استيراد ما فيه مناظر منافية للآداب أو للآمن العام نظير رسوم جمركية.

وصدر كذلك قرار آخر في سنة 1928 بمنع تصدير أشرطة السينما فوتوغرافية المأخوذة في مصر إلا بعد الحصول على ترخيص سابق من وزارة الداخلية لمنع تصدير مناظر إلى الخارج فيها تمثيل لعادات وأخلاق ومعتقدات للأهالي مخالفة للحقيقة، وذلك نظير رسوم نفقة مراقبة (انظر في ذلك المصدر السابق، ص 24 - 26).

(يذكر جاك باسكال في (الدليل السينمائي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا) عام 1954 أن قانون رقابة الأفلام، وقانون تنظيم الأمن داخل دور العرض لم يتغيرا منذ أن صدرا عامي: 1904 و1911، وقد ظلت إدارة الرقابة على الأفلام تتبع وزارة الداخلية في إطار ما سُمِّي بالمكتب الفني الذي يضم أيضًا الرقابة على الصحف والمطبوعات حتى عام 1930، ثم خضعت بعد ذلك لإشراف المكتب الجنائي.

وفي عام 1945 أصبحت تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية بالاشتراك مع وزارة الداخلية، وظل الأمر كذلك حتى بدأت حرب فلسطين عام 1948، فعادت إلى تبعية الرقابة إلى وزارة الداخلية.

وفي عام 1955 انتقلت الرقابة إلى وزارة الإرشاد القومي والثقافة ثم إلى وزارة الثقافة عند فصل الوزارتين، وأخيرًا: إلى المجلس الأعلى للثقافة عام 1980) (المصدر السابق، ص 26).

قال الناقد والمخرج أحمد بدرخان في كتابه: (السينما) الذي صدر عام 1936 تحت عنوان: (السيناريو وقلم الرقابة): (قلم الرقابة لا يتعرض فيما يقدم له من سيناريوهات إلى الناحية الفنية أو ما يتعلق بالذوق؛ إذ إن مرجع ذلك كله إلى الجمهور والحكم فيه له، ومهمة قلم الرقابة تنحصر في الأمور التالية:

- منع تعلم الجرائم أو بث الإجرام، أو تشجيع الميل الإجرامي في النفوس المستعدة له.

- منع انتهاك حرمة الأخلاق والآداب العامة.

- منع انتهاك حرمة الأديان السماوية.

- منع انتشار التعاليم الاجتماعية الخطرة، ولا سيما التعاليم الشيوعية.    

- منع كل ما قد يؤدي إلى مشاكل سياسية أو دولية.

ولا تنتهي مهمة الرقيب بالتصريح على السيناريوهات الخالية من هذه الأمور، بل تعرض عليه بعد إخراجها وقبل استغلالها في دور السينما، فإن رأى أن المخرج أدخل عليها شيئًا يتنافى مع هذه الأمور حذفه، فيشوه الفيلم ويفقد تسلسله، فعلى المخرج ملاحظة ذلك ليوفِّر المجهود والمال، ويضمن لفيلمه الانسجام والتسلسل) (المصدر السابق، ص 28).

ولقد (كانت الرقابة بمختلف أشكالها -وسوف تظل- تعبيرًا عن السلطة السياسية أيًّا كانت هذه السلطة في مصر، وفي غيرها من دول العالم، ويمكن تبيُّن توجهات السلطة السياسية بوضوح من خلال ما تمنعه الرقابة أكثر مما تتبين من خلال ما تصرِّح به) (المصدر السابق، ص 7)

(كانت أولى معارك الرقابة على السينما في مصر: معركة موافقة يوسف وهبي على تمثيل شخصية محمد -صلى الله عليه وسلم- عام 1926، في فيلم ألماني دعمه مصطفى كمال أتاتورك رئيس الجمهورية التركية، والتي انتهت بتراجع يوسف وهبي عن موافقته بناءً على فتوى من الأزهر) (المصدر السابق، ص 33).

(وفي عام 1955م صدر أول قانون للرقابة -وليس لائحة أو تعليمات- خاص بالرقابة على المسرح والسينما، وهو: القانون (340) بخصوص تنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية، ولوحات الفانوس السحري، والأغاني، والمسرحيات، والمونولوجات، والأسطوانات، وأشرطة التسجيل الصوتية. وكان هذا القانون والقرار الوزاري المنفذ له تعبيرًا حقيقيًّا عن روح الثورة (ثورة 1952)؛ إذ اعتبر الهدف من الرقابة هو حماية الآداب العامة، والمحافظة على الأمن والنظام العام ومصالح الدولة، دون أن يحدد بنودًا معينة، وترك ذلك لتقدير الرقباء أنفسهم) (المصدر السابق، ص 74).

وفي 14 يونيو عام 1972 أرسلت الرقابة إلى جميع شركات توزيع الأفلام في القاهرة، ونص الخطاب: (أصدر السيد نائب رئيس الوزراء، ووزير الثقافة والإعلام تعليماته تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية بضرورة تنقية الأفلام السينمائية المصرية والأجنبية من المشاهد الجنسية الخليعة والألفاظ النابية، وكل ما يمس الأخلاق الفاضلة المنبثقة من تقاليدنا وعاداتنا، بحيث تصلح هذه الأفلام والمسرحيات للعرض على الكبار والصغار معًا) (المصدر السابق، ص 75).

(وكما كانت الفترة من عام: 1952 إلى 1955 فترة انتقالية في تاريخ الرقابة بعد تغيير النظام السياسي، كذلك كانت الفترة من عام 1971 إلى عام 1976؛ إذ  سرعان ما أدركت السلطات أن القرار الوزاري المنفذ لقانون عام 1955م لم يعد يتلاءم مع موجة الأفلام السياسية في النصف الأول من السبعينيات؛ ولذلك أصدر وزير الإعلام و الثقافة القرار رقم 220 لسنة 1976 بشأن القواعد الأساسية للرقابة على المصنفات الفنية بتاريخ: 28 إبريل عام 1976، والذي يعتبر عودة إلى تعليمات عام 1947 مرة أخرى؛ بالنص أحيانًا، وبإعادة الصياغة أحيانًا أخرى، وبالمضمون نفسه في النهاية، بل إن قرار 1976 يفوق تعليمات 1947 في فرض المزيد من المحرمات).

ومن أمثلة هذا التطابق: (ما يتعلق بالجنس في تعليمات 1947 تحرم إظهار الأجسام العارية؛ سواء بالتصوير أو بالظل، وتحرِّم إظهار أجزاء الجسم التي يقضي الحياء بسترها، وبخاصة أجسام النساء بشكل مبتذل (البطن - الصدر - الساق في بعض الأوضاع النابية)، كما لا يسمح بتسليط الكاميرا على الأجزاء من قرب بحيث يكون مظهرها منافيًا للآداب، ولا يرتاح إليها الذوق، أو يكون الغرض من إظهارها إثارة الغرائز.

وقرار 1976 يحرم إظهار الجسم البشري عاريًا على نحو يتعارض مع المألوف وتقاليد المجتمع، وعدم مراعاة ألا تكشف الملابس التي يرتديها الممثلون عن تفاصيل جسمانية تؤدي إلى إحراج المشاهدين، أو تتنافى مع المألوف في المجتمع أو إبراز الزوايا التي تفصل أعضاء الجسم أو تؤكدها بشكلٍ فاضحٍ (المصدر السابق، ص 81 -82).

كان فيلم (المذنبون) أول الأعمال التي طُبِّق عليها القرار 220، والفيلم مأخوذ من قصة للأديب نجيب محفوظ، ومن إخراج سعيد مرزوق، بدأ عرض الفيلم في القاهرة في 16 أغسطس 1976، وتعرَّض الفيلم للحذف أثناء عرضه أكثر من مرة، ومع ذلك أحالت وزارة الثقافة 15 من العاملين والعاملات في الرقابة للنيابة الإدارية؛ بسبب موافقتهم على عرض الفيلم وتصديره، وصدر قرار النيابة الإدارية بإحالتهم إلى المحكمة التأديبية المختصة بالعاملين من مستوى الإدارة العليا بالقاهرة في 9 يناير 1979 ، وقد استمر نظر القضية رقم 35 لسنة 1977 حتى عام 1982 حين صدر الحكم بإدانة الرقباء (انظر في ذلك المصدر السابق، ص 85-86).

وجاء في تقرير الاتهام ضد الرقباء أنهم: (وافقوا -كلٌّ في حدود اختصاصه- على الترخيص بعرض فيلم المذنبون عرضًا عامًّا في الداخل؛ رغم ما انطوى عليه من مخالفات صارخة تمس الآداب العامة والقطاع العام، وتنال من قِيَم المجتمع: الدينية والروحية، بما تحمله في طياتها من دعوة سافرة لنشر الفساد والحض على الرذيلة؛ فضلًا عن عدم احترام الدِّين بما له من قدسية وتكريم واجبين؛ الأمر الذي من شأنه الإساءة إلى المجتمع والحط من قدره، وإظهاره في صورة مشوهة، وتصويره على أنه مجتمع استشرت فيه كل مظاهر الانحلال والانحراف) (المصدر السابق، ص 88).

وجاء في قرار الاتهام: اتهام الرقابة بالموافقة على تصدير الفيلم موضوع التحقيق، وعرضه في لبنان وطهران، وفرنسا، وأمريكا دون ملاحظات عليه رغم ما انطوى عليه من مخالفات فيها طعن وتعريض بالمصريين العاملين في الدول العربية؛ الأمر الذي من شأنه الإساءة إلى سمعة البلاد والحط من قدر المجتمع، وإظهاره أمام المجتمعات الأخرى في صورة مشوهة، وتصويره على أنه مجتمع انتشرت فيه كل من مظاهر الانحلال والفساد (انظر المصدر السابق، ص 89).

وفي أغسطس 1983 أصدر وزير الثقافة وقتها قرارًا بوقف عرض فيلمي: (درب الهوى)، و(خمسة باب) وهو ما أثار زوبعة كبيرة. وتدور أحداث الفيلم الأول عن الدعارة في مصر في الأربعينيات في بيت دعارة تديره حسنية العالمة بمعاونة صالح، بينما في الفيلم الثاني تحترف تراجي الدعارة بعد وفاة زوجها ومرض ابنها، وتتسبب مع القواد عباس في فصل الكونستابل منصور من عمله الذي تتوطد علاقته بتراجي ويستحوذ عليها (راجع موسوعة ويكيبديا).

وقد أيَّد معظم الصحفيين والكُتَّاب قرار منع العرض في مواجهة الأفلام الهابطة، وما فيها من إسفاف، بينما عارضه -كالعادة- المدافعون عن حرية السينما في إنتاج وعرض ما تشاء!

قال محسن محمد -رئيس تحرير جريدة الجمهورية- في 26 أغسطس 1983 مؤيِّدًا قرار الوزير بالمنع: (إن الرقابة تعرضت من قبل للهجوم لأسبابٍ سياسيةٍ، ولكنَّ أحدًا لن يتعرض للدفاع عن الأفلام الجنسية، وأن معظم الجيل القديم من المخرجين اتَّجَه في الفترة الأخيرة إلى بيع مصر! باعوها سياسيًّا، وباعوها كوميديًّا، وأخيرًا: باعوها في أفلام جنسية!).

ويقول نعمان عاشور في أخبار اليوم في 24 سبتمبر 1983: (إن الضجة التي أثيرت حول وجود الرقابة أثبتت أنها جهاز مهم مفيد وضروري، وأن مزاعم حرية التعبير في غياب الرقابة لا تعني إلا المزيد من الإهدار والإسفاف والاستغلال، في السينما والمسرح والتليفزيون)، وطالب بوضع ضوابط وشروط قانونية ملزمة لا تجعل من حق أي إنسان أن يقوم بإنتاج فيلم أو تكوين فرقة مسرحية أو إنتاج مسلسلات تليفزيونية).

وممَّن أيدوا القرار -وهم كثير!-: كمال الشيخ، وكمال الملاخ، وأحمد كامل مرسي، وكذلك سكينة فؤاد، وحازم هاشم في مجلة الإذاعة والتليفزيون، بل ونشرت الصحف في 31 أغسطس بيانًا من نقابة المهن التمثيلية تؤيد قرار الوزير، وتحذر من شطب الممثلين المشتركين في الأفلام الهابطة.

وطالب البعض بمنع أفلام أخرى معروضة في ذلك الوقت، ومنها: (عنتر شايل سيفه)، والذي قال عنه سامي السلاموني في مجلة الكواكب: إنه أسوأ مِن درب الهوى، وأكثر إساءة لمصر، ومنها: (البنت لولا)، و(إنقاذ ما يمكن إنقاذه)، و(عالم وعالمة)، و(وداد الغازية)، ومنها فيلم: (ملائكة الشوارع) وهو مأخوذ عن نفس الفيلم المأخوذ عنه (خمسة باب)، وهو فيلم (إيرما الغانية)، ومنها: مطالبة صبري أبو المجد في مجلة الكواكب بمنع فيلمي: (يا ما أنت كريم يا رب)، و(الذئاب) (للاستزادة انظر: "تاريخ الرقابة على السينما"، ص 99-105).

وقد رفع مخرج فيلم (درب الهوى) قضية ضد قرار وزير الثقافة بمنع فيلمه، وفي 26 يناير عام 1991 أجازت المحكمة عرض الفيلم! (انظر المصدر السابق، ص 108).

وقد بَنَتِ المحكمةُ حكمَها على أمورٍ إداريةٍ بناءً على أنه تمت الموافقة على موضوع الفيلم، والموافقة على سيناريو الفيلم، ثم الموافقة على عرض الفيلم، وبدأ عرضه في 11 / 7 / 1983، ثم تم سحب القرار الصادر بالترخيص بالعرض بناءً على (ما اتضح للرقابة أنه بعد عرض الفيلم أحدث انطباعًا سيئًا لدى الجماهير، وحرصًا على حماية الآداب العامة والمحافظة على الأمن والنظام العام، ومصالح الدولة العليا).

ولما تمَّ التظلُّم من القرار أمام لجنة التظلمات المختصة التي نظرت التظلم بجلستها في 2 أكتوبر 1983، قررت اللجنة حذف سبعة مشاهد محددة على سبيل الحصر مِن الفيلم، مع الموافقة على استمرار عرض الفيلم على الكبار فقط، على أن يعرض الفيلم على لجنة التظلمات بعد تنفيذ الملاحظات في حضور مدير إدارة الأفلام القومية!

وحيث إن قرار لجنة التظلمات قرار إداري نهائي صادر من لجنة إدارية ذات اختصاص قضائي، وهو بهذه الصفة قرار واجب النفاذ ما لم يصدر حكم قضائي بإلغائه، ويتعين قانونًا طالما بقي نافذًا أن تصدر الجهة الإدارية المختصة القرارات اللازمة لإعمال أثره، وتحقيق نفاذه، وحيث إن هذا القرار قد صدر منطويًا على إلغاء قرار الجهة الإدارية بسحب الترخيص بعرض فيلم (درب الهوى) ومقررًا جواز عرضه بعد حذف بعض المشاهد منه على أن تتحقق اللجنة من تمام التنفيذ، وحيث إن هذا القرار لم يُطعَن عليه من جانب جهة الإدارة قضائيًّا، ولم تطلب إلغاءه خلال المواعيد القانونية المقررة؛ فهو قرار إداري نهائي، ونافذ قانونًا، ويتعين على جهة الإدارة إصدار القرارات اللازمة لتحقيق هذا النفاذ، وامتناعها عن تحقيق ذلك يُعدَ قرارًا سلبيًّا مخالفًا للقانون متعين الإلغاء.

وعليه: فتكييف الدعوى المقامة أنها طعن على القرار السلبي من جانب الرقابة على المصنفات الفنية بالامتناع عن تنفيذ قرار جهة التظلمات المشار إليها بما كان يتعين عليها معه مطالبة المتظلم بإجراء المشاهد المطلوب حذفها وإعمال رقابتها، وإعادة العرض على لجنة التظلمات بما تراه بشأن الفيلم بعد الحذف ثم تنفيذه، وعليه فالطعن المقام يكون مطابقًا وموافقًا صحيح حكم القانون.

ومع امتناع الرقابة عن تنفيذ قرار لجنة التظلمات واعتباره قرارًا استشاريًّا، مع كونه قرارًا نهائيًّا واجب النفاذ، فيكون بقرارها السلبي هذا قد أخطأت في تطبيق القانون وتفسيره، ويكون بالتالي قرارها السلبي حقيقًا بالإلغاء، وبالتالي: إعادة الحالة بشأن الفيلم إلى إطار الشرعية بحيث تلتزم الجهات الإدارية المختصة بالرقابة على المصنفات وزارة الثقافة بالتقيد بقرار لجنة التظلمات الصادر بشأنه، وتعيد عرض الأمر عليها وَفْقًا لما قررته لتعيد النظر في أمر الفيلم في ضوء تنقيذ قرارها، وتقدير ما تراه بشأن الترخيص بعرضه (راجع كامل حيثيات الحكم "تاريخ الرقابة على السينما" ص 110-125). 

rl(null,true)])