معارك حاسمة (7) معركة القادسية (١)

  • 44

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

بين يدي معركة القادسية:

التاريخ سجل الشعوب.

التاريخ يصنعه العظماء.

التاريخ دروس وعبر للأجيال.

التاريخ ليس مجرد أحداث عبرت،  ومعارك أدبرت،  وجيوش منتصرة وأخرى منهزمة وممالك تقام، وأخرى تهدم، وحضارات تُبنى وأخرى تباد.

التاريخ روح، ومن أدرك كنهها، وعاش خصائصها، وفك رموزها وحذق أسرارها وأبعادها، يكون مهيأ لدخول عالمها؛ ليصبح جزءًا منها.

التاريخ صور ... تستجلى من خلالها تلك الروح الكامنة فيه، التاريخ نهرنا العذب، مياهه لا تبدل، ولا تكل عند المسير إلى المصب،  نعود إليه كلما اشتد علينا العطش.

حرصا على إحياء روح الأمل والتفاؤل لهذه الأمة،  وبعد أن بينتُ ذلك في رسالتي: "المستقبل للإسلام"، أحببت أن أشارك بقلمي، وأدلي بهذه الرسالة في بيان تاريخ الأمة المشرق التي نتشرف بالنسبة إليها، أردت بهذه الرسالة (معركة القادسية) وما يتبعها -إن شاء الله تعالى- أن نعرف نفوسنا حتى نرفع رؤوسنا.

في حرب أمريكا للعراق استعانت أمريكا بخمسين دولة تقريبًا للتحالف معها لضرب العراق،  وكذا  التحالف للقضاء على فكر الخوارج المنحرف، ولكن دولة الإسلام كانت تقاتل الفرس والروم في آنٍ واحدٍ، وتحقق أعظم الانتصارات بقليلٍ مِن العدد، والعدد بقوة إيمانهم وصبرهم، بحبهم لدينهم ولآخرتهم.

ففي القادسية قاتل ٤٠،٠٠٠ من المسلمين ١٢٠،٠٠٠ من الفرس، وفي اليرموك وهي قريبة منها في الزمن قاتل ٢٤،٠٠٠ من المسلمين ٢٠٠،٠٠٠ من الروم، وقيل لخالد بن الوليد في معركة اليرموك: "ما أكثر الروم! فقال: ما أقلهم! إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال".

أما المعدات: فكانت الفرس والروم تستخدم أحدث المعدات، فكانت الفرس تستعين بالفيلة المدربة على المعارك، وكانت الخيل تخاف وتنفر منها، ففي القادسية شارك (٣٣) فيلًا ضخمًا في المعركة، ولكن المسلمين بتوفيق الله -عز وجل- لهم، استطاعوا الانتصار عليهم (‌وَمَا ‌النَّصْرُ ‌إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران:126)، وكان خالد بن الوليد يقول: "أتيتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة!".

كان الخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: "لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد".

وكان يقول: "لا يُهزَم جيش فيه القعقاع بن عمرو".

وكما أجلى الله -عز وجل- الأحزاب عن مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالريح التي تخلع خيامهم وتكفأ قدورهم، هبَّت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم، فركب بغلته وهرب؛ فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا الجالينوس مقدِّم طلائع القادسية، ووصل المسلمون إلى المدائن وإلى قصرها الأبيض الذي بشَّر بفتحها رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الأحزاب،  وفرَّ ملكهم يزدجرد إلى حلوان. 

rl(null,true)])