قيِّمنا بين الأمس واليوم

  • 50

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ ‌صَالِحَ ‌الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ‌خِيَارَكُمْ ‌أَحَاسِنُكُمْ ‌أَخْلَاقًا) (متفق عليه).

إن المتأمل في هذه الأحاديث وما كانت عليه مجتمعاتنا الإسلامية، وما صارت إليه؛ يجد واقعًا يشكو منه الجميع، واقعًا غاب فيه الوازع الديني، وانحسر فيه مفهوم الإسلام لدي بعض الناس في العبادات الشكلية فقط، وهو ما أدَّى إلى اختفاءٍ كثيرٍ مِن القِيَم والأخلاق الفاضلة التي كانت موجودة في الماضي.

لقد تفشَّت في فئاتٍ مِن مجتمعاتنا المسلمة ظواهر وسلوكيات وممارسات سلبية، ونمت فيهم قيم وعادات سيئة غريبة تتنافى مع ما تربَّى عليه المجتمع في سالف أيامه، وإن القائمة تطول لو أردنا حصر هذه الممارسات والسلوكيات، والقِيَم والعادات التي لم نعهدها من قبل.

ولنا أن نتساءل:

أين ذهبت قيمنا النبيلة؟!

ولماذا اختفى الرقي والذوق والأخلاق من تعاملاتنا؟!

لماذا تغيرَّت طباع الناس؟!

لماذا تبدَّلت المفاهيم؟!

لماذا عاش آباؤنا وأجدادنا في مجتمع نبيل، وأصبحنا نعيش في مجتمع فيه من النبل القليل؟!

لماذا ابتعدنا عن الحب الحقيقي وأصبحنا نتكالب على بعضنا البعض؛ أصبحنا لا نقدَّر معلمًا، ولا نرحم صغيرًا، ولا نوقَّر كبيرًا، ولا نحترم حتى أمًّا ولا أبًا؟!

الأمس القريب كان يزدحم بمعاني الأخلاق مِن: سماحة، ونجدة للمظلوم، والإيثار، وصلة الرحم، وحقوق الجار، وكلمة الحق، والمسارعة للخيرات، وغيرها من معاني الأخلاق التي سادت في مجتمعاتنا آنذاك، فكنتَ لا ترى مدينة أو قرية إلا وكانت هذه المعاني موجودة على نحو الكثرة والعموم، بل وتصل في بعض الأحايين إلى حدِّ السجايا الذاتية للأفراد والجماعات.

لقد كانت هذه المعاني الجميلة هي العنوان الأول في التعامل اليومي بين أفراد المجتمع؛ إلا ما شذَّ ونَدَر؛ فالجو العام كان مشحونًا بالقِيَم العالية، والمحبة والإصلاح، وكانت هي السمة السائدة بين الناس، ومَن يعمل بخلافها لا يجد المكانة الطبيعية، والاحترام والتقدير، بل كان الإنسان يُقيَّم بميزان الأخلاق والسجايا الحسنة، ونفع الآخرين بالقول والعمل "خير الناس مَن نفع الناس".

لقد كانت المنظومة الاجتماعية أكثر ضبطا وأشد إحكامًا؛ فكان المجتمع هو صمام الأمان لحفظ الأخلاق والقِيَم من الضياع والاندثار، وكانت أعرافه المتعارف عليها بين الناس بمثابة قانون موثق يصعب اختراقه أو تجاوزه، وكان المجتمع قديمًا متماسكًا إلى حدٍّ بعيدٍ بوجود المُصلحين من أهل الخير بين الناس، فكانت المروءة والحياء أصلًا مؤصَّلًا بين رجالهم ونسائهم وصغارهم وكبارهم، وكان احترام الكبير سواء أكنت تعرفه مسبقًا أم لا تعرفه كفرضٍ من فروض الصلاة يستحيل التخلي عنه.

ورغم قساوة الحياة آنذاك؛ إلا أنه كان زمنًا جميلًا يعبِّر عن الحياة الكريمة، ويعطي للإنسان مكانته، وكانت فيه أجواء السعادة والراحة، وكان للأشياء معنى وقيمة رغم قلتها وندرتها وبساطتها.

إننا أمام أزمة أخلاقية حقيقية، وتحولات اجتماعية على مستوى الفرد والمجتمع، تحتاج أن يُفرد لها العديد من الدراسات الاجتماعية، لتكشف عن أبعاد هذه التحولات وآثارها، في محاولة للفهم أولًا، ولعلاج البثور الخطيرة منها قبل أن تهدد البقية الباقية من قِيَم مجتمعاتنا الفاضلة.

لقد صار حسن الخلق مطلبًا مُلِحًّا للأمة تبرز به الوجه الحضاري للإسلام، وتسترجع به سالف عزها، وسابق مجدها، فقد كان الناس يدخلون في دين الله أفواجًا لِمَا يرون مِن حسن معاملة المسلمين وجميل أخلاقهم، وأسوتهم وقدوتهم في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان خُلُقه القرآن، واهتم بالأخلاق ورفع شأنها فقال: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ ‌صَالِحَ ‌الْأَخْلَاقِ). 

rl(null,true)])