الانحراف الفكري

  • 64

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يخفى على كلِّ عاقل ما تمر به الأسر والمجتمعات من انحراف سلوكي، وخاصة عند الشباب، لكن الانحراف الفكري أشد خطورة من الانحراف السلوكي، حيث إن المنحرف سلوكيًّا يتصرف عن جهل وربما من غير قناعة، حسب نشأته وتربيته، أو ظروف أثرت فيه، وأما المنحرف فكريًّا فيعتقد أن الأفكار الضالة التي يؤمن بها على صوابٍ، ويجتهد في دعوة غيره إليها، ويقاتل مِن أجلها، وربما يقتل نفسه في سبيلها!

وما نراه من الغلو في الدِّين والتعصب والتقليد الأعمى، والجرأة على الفتوى، والطعن في العلماء، وإصدار الأحكام المسبقة التي تصل إلى التبديع، والتفسيق، والتكفير؛ ما هو إلا نتاج أفكار علمية، ودينية، لم تصدر من العلماء الربانيين، مخالفة لهدي السلف في التلقي والاستدلال، وكيفية التعامل مع النصوص؛ أساسها تقديم الهوى، واتباع الظن، والتقليد الأعمى-، قال -تعالى-: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أوَلوْ كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير".

إن الانحراف الفكري يؤدي إلى التشرذم والفُرقة، ويضعف الصف، ويسهم في التشكيك في ثوابت الأمة، وإحداث الفتن، وظهور الفَرَق والمنظمات الإرهابية التي تستبيح دماء المسلمين وغير المسلمين، والإفساد في الأرض الذي يؤدي إلى فقدان الأمن والاستقرار، فيضر نفسه وأسرته، ومجتمعه، بل ويشوه صورة الإسلام الذي عرف بالسماحة، والوسطية، والاعتدال دون غلو أو تفريط .

ومن المؤسف: أن هؤلاء ليسوا من غيرنا، بل من بني جلدتنا ويعيشون بيننا، وقد حذرنا منهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ‌يمرقون ‌من ‌الدين ‌كما ‌يمرق ‌السهم ‌من ‌الرمية".

ولا بد من علاج هذا الفكر المنحرف بالدعوة إلى الله -عز وجل-، بالحكمة والموعظة الحسنة، والتمسك بالأصلين العظيمين: كتاب الله وسنة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، بفهم سلف الأمة، ولزوم غرس العلماء، وتفعيل دور المعلِّم، والمربي، ودور المسجد، وكذلك الإعلام المقروء منه والمسموع، بمواجهة هذا الفكر الضال بالحجة والبرهان، مع مراعاة المصالح والمفاسد، فلن يصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، قال -تعالى-: "وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".