الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (50) قصة إحياء الطيور الأربعة (12)

  • 37

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(البقرة:260).

الفائدة الثامنة:

في قاعدة "الإيمان أصل وله كمال"، كما دلّتْ عليه الآيةُ الكريمةُ.

ذكرنا الأصولَ الأربعةَ المتفقَ عليها التي هي أركانُ الإيمان، وهي: اعتقادُ القلب، وعملُ القلب، ونطقُ اللسان، وتَركُ النواقض والمكفِّرات، وذكرنا المختلفَ فيه من أركان الإسلام، وهل تركُها تكاسلًا يُكفِّر أم لا؟ الصلاة والزكاة والصوم والحج، ورجَّحنا أن الترك تكاسلًا بلا إباء ولا استكبار ولا استحلال، لا يُكفَّر التاركُ له كفرًا أكبر ناقلًا عن الملة، وإن كان كافرًا كفرًا دون كفر، وأشهر ذلك الصلاة.

فهل هناك أعمال ظاهرة يُكفَّر المرءُ بتركها غير المباني الأربعة؟

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- عن هذا السؤال -بعد أن ذكر الخلاف في تكفير تارك الصلاة والمباني-: "أما بقية خصال الإسلام والإيمان -غير المباني الأربعة- فلا يَخرجُ العبدُ بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة، وإنما خالفَ في ذلك الخوارجُ، ونحوهُم مِن أهل البدعِ، فسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمسة ودعائمه، إذا زال منها شيءٌ نقص البنيان، ولم ينهدم أصلُ البنيان بذلك النقص" (فتح الباري لابن رجب (1/ 62- 72) باختصارٍ).

أما مسألة تارك جنس العمل: فهي مسألة حادثة بهذا الاعتبار -أَعني: تكفير مَن ترك جنس العمل- فلم يكنْ أحدٌ من أئمةِ العلمِ يتكلمُ في هذا الاصطلاحِ بالتكفير، وبدايةُ هذه المسألة كانت عند جماعة "التوقف والتبيُّن"، فهم يقولون: إن تارك جنس العمل الواجب -بمعنى أنه يعزمُ ألّا يفعل حتى يموت- فهو كافر كفرًا ناقلًا عن الملة، ناقضًا لأصل الإيمان عندهم، وقد كان ذلك في رسالة اسمها: "التوقف والتبين ... بدعة أم سنة؟"، لكنها -فيما أعلم- غير موجودة الآن، طالعتُها قديمًا، عندما كانوا ينتسبون إلى هذا الاسم، ولا يتبرؤون منه كحالهم الآن.

وهذا القول بدعةٌ ضلالةٌ مُنكرةٌ، وهو موجود لدى مَن تأثَّر بالفكر القطبي، منبع هذه البدعة الجديدة المُستحدثة، كما أنه موجود عند بعض المنتسبين للدعوة الوهابية، أما أن ذلك موجود في كتب المتقدمين وكلامهم ممَّن تكلَّم في الإيمان، وأنه قول وعمل ويزيد وينقص؛ فلم أطَّلِع على أحدٍ قط قد قال بتكفير تارك جنس العمل بهذا الاعتبار.

وقد اختلفوا في معنى تكفير تارك جنس العمل؛ مَن الذي يكفَّر؟ وما مقصودهم بهذه العبارة؟

فنقول: لعدم وضوح هذا المصطلح فقد اختلفوا في فَهمِه والتعبير عنه، فمنهم مَن قال: إنه يُقصَد به تارك العمل بالكُلية، فيترك كل الأعمال، بما في ذلك أركان الإسلام الخمسة -ما عدا الشهادتين، فإنهم لا يقصدونهما-، وهذا القول ينطبق على عمومه: تارك الصلوات الخمس، وتارك الصيام، وتارك الزكاة، وتارك الحج، وهو عازم على فعلها أو غير عازم على أن لا يفعلها، وهذا التكفير فيه خلاف سائغ بين أهل السنة، ولا يصحُ التعبير بأن هذا جنس العمل؛ لأن هذا من الخلاف السائغ بين فريقين؛ الفريق الأول يقول بتكفير تارك أي واحد من المباني الأربعة، ولو أدَّى هذا التارك كل المباني الأخرى، كان عنده كافرًا؛ فلا يصحُ أن يقال: إن هذا تاركٌ لجنس العمل؛ لأنه لم يترك كل الأعمال، ومع ذلك كُفَّر بترك واحدٍ من المباني الأربعة، بل لا ينطبق على مَن صلى في عمره صلاةً واحدةً، أنه تارك لجنس العمل؛ لأنه قد صلَّى صلاةً، وهذا لا يقوله أحدٌ؛ لا الفريق الذي يُكفِّر بترك المباني الأربعة، أو ببعضها -كما سبق بيانه-، ولا الذي لا يُكفِّره، فإن مَن يُكفر تارك الصلاة يكفِّره بترك صلاة واحدة أو صلاتين أو ثلاث، ولم يقل أحدٌ مِن هذا الفريق المُكفِّر أنَّ مَن صلى صلاةً واحدةً في عُمره لا يُكفَّر، ولو ترك بعدها الصلوات كلها.

وقد سبق أن بيَّنا: أن تكفير تارك الصلاة عند القائلين به عند جمهورهم، إنما يكون إذا أصرَّ على تركها وقد عُرض على السيف، فأبى أن يصلي، وأما إذا لم يدعه الإمامُ ويعرضه على العقوبة، فإنهم لا يكفرونه، إلا قولًا ضعيفًا عندهم بأن الترك المجرد يُخرِج مِن الملة، وكذا في تارك المباني الثلاثة الأخرى، والخلاف فيها أضعف؛ للنصوص الواضحة في عدم التكفير.

وأما الفريق الثاني الذي لا يُكفر تاركَ الصلاة، فهو يقول: لو تركَ كلَّ الصلوات ما لم يكن مستحلًا، ولا آبيًا ولا مستكبرًا، فهو ما زال عندهم على أصل الإسلام، عنده لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرًا قط، ينجو بها عند الله من الخلود في النار.

أما أن يُقَال: لو صلَّى صلاة في حياته فهذا لا نُكفِّره، وأما إذا لم يصلِ صلاة واحدة فنحن نُكفره! فلا يوجد مَن يقول ذلك مِن أهل العلم؛ فلا يصحُ أن نقول على شخص إنه تارك لجنس العمل، ويكون قد صامَ يومًا، أو صلى صلاة؛ فهو في الحقيقة بذلك ليس بتارك لجنس العمل، ومَن يُكفر تاركَ المباني يُكفر من أفطر بعد أن صام يومًا واحدًا، أو من ترك الصلاة بعد أن صلى صلاة واحدة، فهذا قولٌ مستحدثٌ ثالث، ليس من كلام أهل العلم.

وقد سبقَ أن بيَّنا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه يقول: إن مَن عزم أن يصلي في المستقبل فعنده عمل فلا يُكفَّر، وهو يقصد بذلك عمل القلب؛ فهذا القول بتكفير تارك جنس العمل مع حَمل العمل على مجموع الأعمال كلها، فلو أتى أي عمل ولو تسبيحة، ولو ردَّ سلام ونحو ذلك، لما كُفِّر، هو قولٌ محدثٌ لم يقل به لا مَن كفّر، ولا مِن لم يكفِّر بترك الصلاة أو باقي المباني الأربعة.

الاحتمال الثاني في قصدهم بتكفير تارك جنس العمل هو: أن يترك أيَّ عمل واجب بالكُلية، ويعزم على ألا يفعله حياته كلها، ومَن يُصرُّ على المعصية إلى أن يموت ويعزمُ أن يظل يفعلها، فهذا عندهم تارك لجنس العمل، ويصبح عندهم كافرًا، وهذه البدعة الضلالة أصلها مِن فكر الخوارج.

والاحتمال الثالث أنهم يقصدون بذلك: أنَّ مَن ترك جنس العمل الذي يختص به أهل الإسلام، فيقولون: إن مِن ترك هذا فهو الكافر، لا بد أن يفعل منه شيئًا، فنقول: رجلٌ سبَّحَ تسبيحةً، أو ردّ السلامَ بصيغة أهل الإسلام، فهذا قد فعلَ واجبًا، فهل لا تكفِّرونه إذا ترك المباني، وتكفرونه إذا ترك ردّ السلام أو التسبيحة؟! فهذا قول عجيب محدث، ما قاله أحدٌ من أهل العلم، وهو بدعة ضلالة أيضًا.

فأصبحت كل الاحتمالات في تفسير تارك جنس العمل، لم يقل بها أحدٌ مِن أهل العلم، ولذا قلنا: إن هذا الاصطلاح "تكفير تارك جنس العمل" اصطلاح حادث وبدعة منكرة، وأما إذا حملوا ذلك على المباني الأربعة فقط دون غيرها؛ فالخلاف سائغ، وأما إذا قبلوا بأن يحملوا معنى تارك جنس العمل على ترك النواقض -نواقض التوحيد-، فالخلاف معهم خلاف سائغ، ولا يصبح خلافًا حقيقيًا، لكن -فيما أعلم- لا يوجد مَن يقبل ذلك، أو يفسِّره ممَّن يقول بتارك جنس العمل.

والله المستعان.

rl(null,true)])