استوصوا بهم خيرًا (2)

  • 20

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أورد الخطيب البغدادي بسنده: "قال هارون بن عبد اللَّه الحمال: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب عليَّ فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت أن خرجت إليه. قلت: حاجة يا أبا عبد اللَّه؟ قال: شغلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد اللَّه؟ قال: جزتُ عليك اليوم وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس!"؛ فأي عناية واهتمام الذي دفع الإمام أحمد أن يأتي بالليل ليوصيه بتلك الوصية؟!

فطلاب العلم هم وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم مستقبل الأمة، وحماة الشريعة، وورثة الأنبياء.

وأما النابهون منهم فلهم مِن ذلك الحظ الأوفر، فهم مشروع الأمة ومستقبلها؛ لذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يُدخِل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- مع أشياخ بدر، ويستشيره في الكثير من أموره، ويأخذ برأيه رغم صغر سنه، ويقرِّبه من مجلسه!

ثم ابن عباس يسير على نفس النهج مع تلميذه عكرمة، فعن عكرمة: أن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "انطلق، فأفت الناس، وأنا لك عون".

وكان فقيه مصر الليث بن سعد -وكان من الأغنياء- يرسل إلى الإمام مالك بن أنس -وكان فقيرًا- بالهدايا وبالمال، حتى انصلحت حاله.

وبعد أن مَنَّ الله عليه كان الإمام مالك -رحمه الله- يدعو طلبته لبيته، ويبرهم ويكرمهم ويهتم بهم؛ حتى إن هارون الرشيد بعث إلى مالك مجموعة من الإبل كهدية، فتصدَّقَ بها مالك على تلاميذه.

قال الربيع بن سليمان المرادي: "كتب إليَّ أبو يعقوب البويطي، وهو في المطبق، يسألني أن أصبر نفسي للغرباء، ممَّن يسمع كتب الشافعي، ويسألني أن أحسن خلقي لأصحابنا الذين في الحلقة، والاحتمال منهم".

وأما الحافظ عبد الغني المقدسي فشأنه عجيب، فقد كان يكرم الطَّلبة ويُحسن إليهم، وإذا صار عنده طالب يَفْهَم أمره بالرَّحلة ويفرح لهم بسماع ما يحصلونه.

وجاء في كتاب الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب: "سمعتُ أبا محمد بن أبي زيد يقول في وصف محمد أبي بكر الأبهري المالكي : وما رأيت من الشيوخ أسخى منه ولا أكثر مواساة لطالب العلم، ومَن يرد عليه مِن الغرباء يعطيهم الدراهم ويكسوهم، وكان لا يخلي جيبه من كيس فيه مال، فكل من يرد عليه من الفقهاء يغرف له غرفة بلا وزن".

وابن أبي زيد القيرواني كان مع عظمته في العلم والعمل كثير البر والإيثار، ينفق على الطلبة ويكسوهم. وقيل: إنه بعث إلى القاضي عبد الوهاب ألف دينار، فالله أعلم، ووصل يحيى بن عبد الله العمري حين قدم القيروان بمائة وخمسين دينارًا، وجَهَّز بنت الشيخ أبي الحسن القابسي بأربعمائة دينار.

وبنى أبو الحسن علي الشاري جناحًا لمأوى الطلبة بمدرسته السبتية، وهو الذي حرص على العناية بطلابه حتى بعد أن يفارقوا الحياة، فقد حبَّس الشاري بقعةً على مَنْ يَموتُ مِنْ طلبته.

والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- ساهم في بناء مساكن للطلاب بجميع محتوياتها (للعزاب وللمتزوجين)، ووضع مكافآت لهم.

ويعجب المرء من صنع الإمام ابن باز -رحمه الله تعالى- مع بعض الطلاب، لما علم بفقرهم وحاجتهم باع سيارته الخاصة لكي ينتفعوا بذلك المال، ويجلس مع طلابه في موعدهم حتى في ليلة زفاف ابنته.

ولا يزال الخير في أمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة، وفي الزوايا خبايا، وصناعة الرجال هي أهم صناعة في سبيل بناء الأمة واستعادة أمجادها وإعلاء صرحها.

وحفظ الدِّين إنما يكون بحفظ العلماء الربانيين؛ ولذلك يجب على الأمة أن توفِّر مِن أبنائها مَن يتعلم الدين ويعلمه، لينفي عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، فالعلماء إذا فُقدوا ضل الناس وضاعوا، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا، اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".

وجِماع ذلك كله قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أنا لكم مثلُ الوالدِ أعلِّمُكم"، وقوله: "فاستوصوا بهم خيرًا".