تونس ... إلى أين؟ (3) النضال السياسي أثناء الاحتلال الفرنسي

  • 48

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيعد الحزب الحر الدستوري أول حزب وطني يتأسس في تونس تحت الحماية الفرنسية، وذلك في مارس 1920، وقد أصبح الحزب يعرف بعد ذلك باسم الحزب الدستوري القديم في أعقاب تأسيس الحبيب بورقيبة وعدد من زملائه للحزب الحر الدستوري الجديد في 2 مارس 1934. 

ويعد الحزب الدستوري القديم تطورًا لحركة الشباب التونسي التي ظهرتْ قبيل الحرب العالمية الأولى، وقد سمحت فترة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بتقدم الوطنيين التونسيين بعددٍ مِن المطالب الوطنية، وقد التفت مجموعة الوطنيين حول كتاب: (تونس الشهيدة) الذي صدر آنذاك بباريس بإمضاء الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي كان مِن مؤسسي الحزب مع آخرين، وكانوا من الطبقة المتمسكة بالثقافة العربية.

وقد طالب الحزب بإرساء نظام دستوري وضمان الحريات والمساواة وإجبارية التعليم، وذلك في إطار الاعتراف بنظام الحماية الفرنسية على تونس، غير أن هذه المطالب لم تجد صدى لدى السلطات الفرنسية، التي ضغطت على الشيخ الثعالبي فغادر تونس عام 1923، لكن الحزب استمر في نشاطه خاصة نشاطه الصحفي.

وفي عام 1933 ضم الحزب إلى لجنته التنفيذية عناصر شابة برزت بكتاباتها الصحفية منهم الحبيب بورقيبة ومحمد الماطري، لكنهم سرعان ما انفصلوا عن الحزب وأسسوا الحزب الحر الدستوري الجديد في مارس 1934، ولم تفلح محاولات الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي عاد إلى تونس في يوليو 1934 م في التوحيد بين الحزبين الدستوريين. 

تولى الحبيب بورقيبة زمام الحزب الدستوري الجديد، ومع حملات الاعتقال الفرنسية للمناضلين بدأ الغضب يجتاح صفوف الشعب، وبلغت الأحداث أشدها في 9 إبريل 1938 باندلاع مظاهرات عامة نظمها الحزب الحر الدستوري الجديد  في عددٍ مِن المدن التونسية وشارك فيها الآلاف وشاركت فيها النساء، ولم تتورع الشرطة عن إطلاق النار على المتظاهرين ليسقط العشرات من القتلى والجرحى، كما شهدت ليلتها سلسلة من المداهمات والاعتقالات، أعقبها انتشار الجيش وفرض حالة من الحصار واقتحام الأحياء ومداهمة المنازل، وألقي القبض على بورقيبة وزملاء له وقدموا إلى المحاكمة العسكرية، و أدرج يوم 9 إبريل في ملحمة تاريخ الحركة الوطنية، وتحول الحزب الدستوري الجديد إلى رمز من رموز النضال الشعبي. 

حقق الحزب الحر الدستوري الجديد لنفسه توسعًا كبيرًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى جانب بزوغ الاتحاد العام التونسي للشغل وصاحب ذلك تراجعًا للحزب الدستوري القديم.

وبعد الاستقلال هاجم الحزب الدستوري القديم اتجاه الحبيب بورقيبة العلماني، وعارض كل الانتخابات التي أجراها، لكن تقلص وجوده بعد ذلك ليقتصر على إصداره لصحيفة الاستقلال الأسبوعية، ثم توقف الحزب في بداية الستينيات عن النشاط السياسي.

وفي هذه الفترة برز اسم الحبيب بورقيبة كوطني يسعى لتحرير تونس من نير الاستعمار، من خلال العمل داخل وخارج تونس، حيث تحول إلى القاهرة وفتح مكتب المغرب العربي، وسافر إلى نيويورك عام 1945 لشرح القضية التونسية أمام الرأي العام العالمي، وتعرض للنفي، وخاض تجربة مريرة في سجون المستعمر، ولم يثنهِ ذلك عن مواصلة طريقه.

وقد استطاع إعادة تنظيم الحزب الحر الدستوري الجديد عام 1949 وتهيئة الشعب من جديد للكفاح، قبل التحول للخارج لمزيدٍ من التعريف بالقضية التونسية حتى حصلت تونس على الاستقلال، وقد أسفرت المفاوضات مع فرنسا عن توقيع بروتوكول الاستقلال في 20 مارس 1956.

انتخب الحبيب بورقيبة رئيسًا للمجلس القومي التأسيسي في 8 إبريل 1956، وكلف بتشكيل الحكومة التونسية في 11 إبريل.

وفي عام 1957 قرر المجلس الوطني التأسيسي بالإجماع إعلان الجمهورية، وأصبح الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية، وتم تغيير اسم الحزب الحر الدستوري الجديد إلى اسم الحزب الاشتراكي الدستوري. 

طبَّق بورقية في الستينيات سياسة اشتراكية تأميمية، ثم أبدلها بتجربة خصخصة رأسمالية في السبعينيات تقوم على السياحة، والقروض، والاستثمارات الاقتصادية والزراعة والصناعات التحويلية، ومع تردي الحزب الحاكم وتعرض الدولة لهزات قوية في ظلِّ عجز وشيخوخة بورقيبة بادر وزير الداخلية زين العابدين بن علي بانقلاب سلمي استولى به على السلطة في 7 نوفمبر 1987 لينتهي بذلك عهد بورقيبة.