الاعتداء على المال العام

  • 46

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الشعوب والدول لتعتز وتفتخر بمكتسباتها في مختلف جوانب الحياة، وتسعى للحفاظ عليها ورعايتها وتطويرها؛ حتى تستفيد منها الأجيال بعد الأجيال.

وعلى الجانب الآخر: فإن إهدار المال العام والتعدي عليه من أبرز صور الفساد في الأرض، والتي انتشرت في مجتمعاتنا بشكلٍ واسعٍ، وأخذت أشكالًا متعددة: كالسرقة والنهب، والاختلاس، وخيانة الأمانة، واستغلال النفوذ، والتربح من الوظيفة، وإهمال العمل بحجة ضعف الراتب الشهري، وتعطيل مصالح الناس بهدف الحصول على الرشوة، والاعتداء على الطرق العامة، وتلويث المياه، والاستيلاء على أراضي الدولة، والتلاعب في العطاءات، والمناقصات بهدف ترسيتها على شخص أو شركة بعينها، وغير ذلك الكثير من الجرائم، قال -جل وعلا-: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ".

والعجيب: أن مرتكبَ هذه الجرائم يعلم المخاطر التي تحيط بالمجتمع نتيجة فعله، مِن فقدان للأمن، وإضعافٍ للاقتصاد، وزيادة الفقر، كما يقف عثرة أمام التقدم والازدهار والرخاء، والخطر الأكبر حينما يُسأل يوم القيامة عن خيانته، ويُطلب منه على الملأ كل ما استحله لنفسه بغير وجه حق، قال -تعالى-: "وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ".

وما أعظم هذا الوعد الشديد كما جاء في الصحيح من حديث خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

قال ابن حجر -رحمه الله-: "أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل".

ولا بد مِن وقف نزيف الفساد كلٌ حسب دوره، فالدولة يجب أن تشدد، وتحاسب، وتعاقب المفسد، حتى يكون عبرة لغيره، وعلى كلِّ فرد في المجتمع أن يعي حجم وخطر فقدان الأمانة، وعدم تحمل المسؤولية، وعليه مراقبة الله -عز وجل أولًا، ثم إعلاء مصلحة البلاد والعباد على مصلحته الشخصية، فالتغيير والإصلاح يبدأ بصلاح أنفسنا، قال -تعالى- "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ".