الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (51) قصة إحياء الطيور الأربعة (13)

  • 69

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

 فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).

الفائدة التاسعة:

ذكرنا أن هذه الآية الكريمة تدلُ على أن الإيمانَ أصلٌ وله كمال، وأنه يزيدُ وينقصُ، وننقلُ اليوم نُقولًا عن أهل العلم في حُكم تَرك مباني الإسلام الأربعة، عدا الشهادتين.

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "أما هذه الخمس فإن زالتْ كُلُها سقطَ البنيانُ، ولم يثبتْ بعد زوالها، وكذلك إن زالَ منها الركنُ الأعظمُ وهو الشهادتان، وزوالهما يكونُ بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمعُ معهما، وأما زوالُ الأربع البواقي فاختلف العلماء: هل يزول الاسمُ بزوالها؟ أم بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك؟ أم يُفرَّق بين الصلاة وغيرها؛ فيزول بترك الصلاة دون غيرها؟ أم يختص زوالُ الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة؟ وفي ذلك اختلاف مشهور، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد" (فتح الباري لابن رجب).

قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما مع الإقرار بالوجوب إذا تركَ شيئًا مِن هذه الأركان الأربعة، ففي التكفير أقوالٌ للعلماءِ، هي روايات عن أحمد:

أحدها: أنه يُكفَّر بترك واحدة من الأربعة، حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاعٌ بين العلماءِ، فمتى عَزم على تركه بالكُلية كَفَرَ، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبوبكر.

الثاني: أنه لا يُكفَّر بترك شيء من ذلك، مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثيرٍ من الفقهاءِ من أصحابِ أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي إحدى الروايات عند أحمد، اختارها ابن بطة وغيره.

الثالث: لا يُكفَّر إلا بترك الصلاة، وهذه هي الرواية الثانية عند أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد.

الرابع: يُكفَّر بتركها وترك الزكاة فقط.

الخامس: يُكفّر بتركها وترك الزكاة إذا قاتلَ الإمامَ عليها دون ترك الصيام والحج" (مجموع الفتاوى).

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: "أركانُ الإسلام الخمسة: أولها: الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعةُ إذا أقَرَّ بها، وتركها تهاوُنًا، فنحن وإن قاتَلْناه على فِعْلِها، فلا نُكَفِّرُه بتَرْكِها، والعلماءُ اختلفوا في كُفرِ التاركِ لها كَسَلًا من غيرِ جُحودٍ، ولا نُكَفِّرُ إلَّا ما أجمع عليه العُلماءُ كُلُّهم، وهو: الشَّهادتان" (الدرر السنية).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرح العمدة: "ويُقتل -أي: تارك الصلاة- لكُفره في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: يُقتل كما يُقتل الزاني والمحارب مع ثبوت إسلامه حدًّا محضًا، وهو اختيار ابن بطة، وقال: هذا هو المذهب، وأنكر خلاف هذا" (انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله).

قال في الإنصاف: "عن ابن بطة المذهب على هذا، لم أجد في المذهب خلافه -يعني مذهب الإمام أحمد-، واختاره -يعني ابن قدامة-، وقال: هو أصوب القولين، ومال إليه الشارحُ، واختاره ابن عبدوس في تذكرته، وابن عبدوس المتقدم، وصححه المجدُ -يَعني مجد الدين ابن تيمية جد شيخ الإسلام-، وصاحب المذهب، ومسبوك الذهب، وابن رُزين، والنظم، والتصحيح، ومجمع البحرين، وجَزم به في الوجيز، والمنور، والمنتخب، وقدَّمه في المحرر، وابن تميم، والفائق. وقال في الرعاية: وعنه يُقتل حدًّا. وقيل: لفسقه" (انتهى من الإنصاف).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أدلة رواية عدم القتل في شرح العمدة أيضًا: "لما روى عبادةُ بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن شَهِدَ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُه ورسولُه وابنُ أَمَتِهِ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجنةَ حقٌّ، وأنَّ النارَ حقٌّ، وأنَّ البَعْثَ حقٌّ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من عملٍ) (متفق عليه)، وعن أنس أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومُعاذ بنُ جَبَلٍ رَدِيفهُ علَى الرَّحْلِ، قالَ: (يا مُعاذُ قالَ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: يا مُعاذُ قالَ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: يا مُعاذُ قالَ: لَبَّيْكَ رَسولَ اللهِ وسَعْدَيْكَ، قالَ: ما مِن عَبْدٍ يَشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ إلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ علَى النَّارِ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا أُخْبِرُ بها الناس فَيَسْتَبْشِرُوا، قالَ: إذًا يَتَّكِلُوا) فأخْبَرَ بها مُعاذُ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. (متفق عليه)، ولما تَقَدَّم مِن حديث أبي عبادة، وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيمَن لم يحافظ عليها: (‌لَمْ ‌يَكُنْ ‌لَهُ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌عَهْدٌ، ‌إِنْ ‌شَاءَ ‌عَذَّبَهُ، ‌وَإِنْ ‌شَاءَ ‌غَفَرَ ‌لَهُ) (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام بآيات من القرآن يرددها، حتى صلى الغَداةَ، فقال: "دَعَوْتُ لِأُمَّتِي، فَقَالَ: مَاذَا أُجِبْتَ وَمَاذَا رُدَّ عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا لَوِ اطَّلَعُوا عَلَيْهِ اطِّلَاعَةً لَتَرَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ"، قَالَ: أَفَلَا أَذْهَبُ فَأُبَشِّرُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَذَهَبَ مُعَنِّفًا قَذْفَةَ حُجْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌إِنْ ‌تَبْعَثْ ‌بِهَا ‌إِلَى ‌النَّاسِ ‌يَتَّكِلُوا ‌عَنِ ‌الْعِبَادَةِ، قَالَ: فَرَدَّنِي وَلَمْ أَقَلْ شَيْئًا" (رواه أحمد في مسنده، والبزار، وسنده حسن).

والآية: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118)؛ ولأن الصلاة عملٌ من أعمال الجوارح فلم يُكفّر بتركه كسائر الأعمال المفروضة؛ ولأن مِن أصول أهل السُّنة أنهم لا يُكفرون أحدًا من أهل السنة بذنبٍ، ولا يخرجونه من الإسلام بعملٍ؛ بخلاف ما عليه الخوارج، وإنما الكفرُ بالاعتقادات.

وقد رُوي عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثٌ من أصلِ الإيمانِ: الْكفُّ عمَّن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ولا نُكفِّرُهُ بذنبٍ ولا نخرِجُهُ منَ الإسلامِ بعملٍ، والجِهادُ ماضٍ منذُ بعثَني اللَّهُ إلى أن يقاتِلَ آخرُ أمَّتي الدَّجَّالَ، لا يبطلُهُ جورُ جائرٍ ولا عدلُ عادلٍ، والإيمانُ بالأقدار" (رواه أبو داود والبيهقي، وضعفه الألباني).

وتارك الصلاة مع إقراره بالوجوب صحيح الاعتقاد فلا يُكفَّر، والرواية الأولى -يعني التكفير- اختيار أكثر الأصحاب، مثل: أبي بكر، وابن شاقلا، وابن حامد القاضي وأصحابه، وهو المنقول عن جماهير السلف، ثم ذكر أدلةَ ذلك" (انتهى من شرح العمدة لابن تيمية -رحمه الله-).

وقال -في خاتمة الكلام بعد أن رجَّح أن كُفرَ تارك الصلاة دون أن يُدعى إليها كافرًا كفر نفاق، وأما مَن دُعي إليها فأصرَّ على تركها حتى قُتل فإنه يُقتل كافرًا-: "وأما الأحاديث المطلقة في الشهادتين فعنها أجوبة ... الرابع: أن هذا كله محمول على مَن يؤخرها عن وقتها وينوي قضاءها، أو يُحدّث به نفسه كالأمراء الذين كانوا يؤخِّرون الصلاة حتى يخرج الوقت، وكما فسَّره ابن مسعود وبيَّن أن تأخيرها عن وقتها من الكبائر، وأن تركها بالكلية كفر، وكذلك أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكفِّ عن قتال هؤلاء الأئمة ما صلوا، فعُلِم أنهم لو تركوا الصلاة لقوتِلوا، والإمام لا يجوزُ قتالُه حتى يَكفر، وإلا فبمجرد الفسق لا يجوز قتالُه، ولو جاز قتالُه بذلك لقوتِل على تفويتِها، كما يُقاتل على تركِها، وهذا دليلٌ مستقلٌ في المسألةِ.

ويُحمل أيضًا على مَن يخل ببعض فرائضها ببعض الأوقات، وشبه ذلك، وأما مَن لا يصلي قطّ في طول عمره، ولا يَعزم على الصلاة ومات على غير توبة، أو ختم له بذلك، فهذا كافر قطعًا"، وهذا صريح في أنَّ مَن يعزم على الصلاة لا يُكفِّره شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

فائدة:

قال في الإنصاف: "الداعي له هو الإمام أو نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجبْ قتله، ولا يكفرُ على الصحيح من المذهب، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كثيرٌ منهم، وكذا لو تركَ كفارةً أو نذرًا، وذكر الآجُرِّيُ أنه يكفرُ بترك الصلاة، ولو لم يُدع إليها. قال في الفروع: وهو ظاهر كلام جماعة، ويأتي كلامه في المستوعب في باب ما يفسده الصوم، عند قوله: "أو اغتسل" يعني بعد ما أصبح".

فائدة ثانية:

اختلف العلماءُ في كُفر إبليس، فذكر أبو إسحاق بن شاقلا أنه كفرَ بترك السجود لا بجحودهِ. وقيل: كفرَ لمخالفته الأمر الشفاهي من الله -تعالى-؛ فإنه -سبحانه وتعالى- خاطَبَه بذلك؛ قال الشيخُ برهان الدين: "قاله صاحب الفروع في الاستعاذة له"، وقال جمهور العلماء: "إنما كفرَ؛ لأنه أبى واستكبرَ، وعاندَ وطغى، وأصرَّ واعتقدَ أنه محقٌ في تمردِه، واستدل بأنه خيرٌ منه، فكان تركُه للسجود تسفيهًا لأمر الله -تعالى- وحكمته".

قال الإمام أحمد: "إنما أُمِرَ بالسجود فاستكبر وكان من الكافرين، والاستكبارُ كفرٌ"، وقالت الخوارج: "كفرٌ بمعصية الله، وكل معصية كفر"، وهذا خلاف الإجماع" (الإنصاف).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فيمن يتركُ الصلاةَ بعض الأوقات لا يقضيها، ولا ينوي قضاءَها: "والأشبه في مثل هذا أنه لا يكفر بالباطن أيضًا، حتى يعزم على تركها بالكلية، كما لم يكفر في تأخيرها عن وقتها، كما تقدَّم مِن الأحاديث، ولأن الفرائض تُجبر يوم القيامة بالنوافل؛ ولأنه متى عَزم على بعض الصلاة فقد أتى بما هو مجرد إيمان" (شرح العمدة).