قلب في زجاجة!

  • 27

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال ابن القيم -رحمه الله-: "قال لي شيخ الإسلام وقد جعلت أورد عليه إيرادًا بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشربتَ قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقرًّا للشبهات" (مفتاح دار السعادة).

قال ابن القيم عن هذه النصيحة: "ما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك".

فاحذر فـ(القلوب ضعيفة، والشُّبه خطَّافة).

كما قال الإمام الذهبي: "أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة" (سير أعلام النبلاء).

وكما في الحديث: "ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه".

وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن سمع بالدجال فلينأَ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات"؛ ولذا أكَّد ابن القيم -رحمه الله- على أهمية "الهرب عن مظان الفتنة والبعد عنها ما أمكنه، فما أستعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه. وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة والله أعلم" (عدة الصابرين).

وهنا ينبِّه الإمام على مكائد الشيطان اللطيفة -يعني الخفية- حيث يجذب الناس إلى الشر حينما يريهم بعض الخير في الأمر حتى يقعوا في شباك صيده ويكونوا ضحايا خداعه.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، مَن تشرف لها تستشرفه فمَن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به"، وعن أبي موسى: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن بين أيديكم فتنًا كقِطَع الليل المُظلم، يُصبِح الرجل فيها مؤمنًا ويُمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي"، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "كونوا أحلاس بيوتكم".

وترجم البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب من الدين الفرار من الفتن".

قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "اعلم أن القلب في أصل الوضع سليم من كل آفة والحواس الخمس توصل إليه الأخبار فترقم في صفحته، فينبغي أن يستوثق من سدِّ الطرق التي يخشى عليه منها الفتن، فإنه إذا اشتغل بشيء منها أعرض عما خلق له من التعظيم للخالق والفكر في المصالح، ورب فتنة علَّق به شباها -أي: طرفها- فكانت سببًا في هلاكه" (ذم الهوى).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وإنما سميت الشبهة شبهة؛ لاشتباه الحق بالباطل فيها، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل" (مفتاح دار الساعدة).

واعلم أن تتبع الشبهات علامة مرض القلب: "فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" (آل عمران: 7)، بل عليك ألا تخوض فيها "وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" (النور:16).

وهذا لا يعني الإعراض بالكلية عن الشبهات دون إيجاد رد لمن يحتاجه، فابن تيمية -صاحب تلك النصيحة- هو مِن أكثر مَن ردَّ ونافح وناظر الخصوم مدافعًا عن المنهج جملةً وتفصيلًا، فوقف أمام الانحرافات الموجودة في زمنه، فرد على المتكلمين بأنواعهم، والفلاسفة والمشبهة والمرجئة والخوارج والقدرية، والجبرية والاتحادية، والشيعة والباطنية، والنصارى، إلخ.

وكما قال يحيى بن يحيى: "الذب عن السُّنة أفضل من الجهاد في سبيل الله" (سير أعلام النبلاء)، لكن المقصود أن تكون كالدواء على قدر الحاجة مع الاهتمام بالغذاء النافع من العلم بالحق والعمل به والدعوة إليه، فهذا هو الأصل، فالشبهات والردود لا تنتهي، ولا يلزم كل أحدٍ أن يستحضر ردًّا على كل شبهة، بل الأصل "وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأعراف:180).

وأعرض عن الجاهلين، فلا تنشغل بالباطل، واثبت على الحق، وتأس بما كان يفعل الإمام مالك -رحمه الله- فيما حكاه عنه الإِمام الشافعي -رحمه الله- قال: "كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه" (حلية الأولياء)، وكان يقول: "أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبرائيل على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لجدله" (تذكرة الحفاظ).

وكلام السلف في هذا كثير لمن أراد الاستزادة -ولله الحمد-.

فاللهم إنا نعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.