التفاوض في العمل التطوعي (فن بناء الجسور) (1)

  • 34

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي بقعةٍ من الأرض توجد العشرات مِن الجزر المتقاربة، يسكن في كلِّ جزيرة قبيلة من القبائل أنعم الله على كل قبيلة بمورد خاص لها الذي يميزها عن غيرها، ولكل قبيلة عاداتها وطرق معايشها وطموحاتها، وكأي مكان أنعم الله عليه بالخيرات يكون مطمعًا لأعدائهم ومحط أنظار الكارهين لهم، وبعد استشعارهم بالخطر؛ قرر زعماء تلك الجزر: أن يبدأوا مفاوضاتٍ لبناء سلسلة مِن الجسور بينها كبداية للوحدة بينها ولتسهيل الانتقال بينها لتعزيز الدفاع المشترك ضد أعداء الخارج؛ تخيَّل نفسك ستكون على رأس وفد أحد هذه الجزر لتخوض المفاوضات للبدء في بناء هذه الجسور.

سيلزمك الانتباه لمجموعةٍ مِن الخطوات والإجراءات:

- سيلزمك أن تكون على قدرٍ كبيرٍ مِن معرفة مبادئ قبيلتك حتى لا تخالفها.

- ومطَّلِعًا على الظروف المحيطة التي دَفَعَتْ لهذه المفاوضات حتى توظفها.

- ومدركًا لحدودك التفاوضية، وما الحد الأقصى من التنازلات التي ستقدِّمها حتى لا تتجاوزها.

- ثم مطلعًا على قضية التفاوض مثل الهدف منها، وتكلفة تلك الجسور، والزمن اللازم لإنجازها، وربط ذلك بمقدرات وقدرة جزيرتك؛ حتى لا تحلق بخيالك بعيدًا.

- ثم معرفة دقيقة بالجزيرة التي ستتفاوض معها، والاطِّلاع على عاداتهم وتاريخهم في التفاوض؛ لتتجنب أي تصرف قد يتسبب في عرقلة العملية التفاوضية.

- ثم معرفة بالصفات الشخصية للفريق المفاوض؛ لتعرف كيف تصنع جوًّا من المودة تمهيدًا لعملية تفاوضية ناجحة.

- ثم تحديد قدر المعلومات التي ستصرح بها، ولن تؤثِّر على موقفك التفاوضي.

- ثم تكون على قدرة مِن طرح البدائل المختلفة والمتدرجة التي مِن شأنها أن تكون مقنعة وتحقق مصلحة قبيلتك، ومصلحة القبيلة المفاوضة كذلك، وأن تكون قادر على طرح البراهين التي تثبت صلاحية هذه الاقتراحات.

- ثم قادرًا على عقد الاتفاقات اللازمة ثم متابعة مخرجات هذه المفاوضات من اتفاقات وإجراءات.

- تسمى العملية النقاشية السابقة "بمهارة التفاوض"، فمهارة التفاوض هي كمهارة بناء هذه الجسور، فالغرض مِن العملية التفاوضية هو بناء تلك الجسور بيننا وبين محيطنا من مؤسسات ليسهل التعاون والتفاهم؛ لما فيه مرضاة الله سبحانه وتعالى، وتعاون على البر والتقوى، لتحل ثقافة التفاهم محل ثقافة النزاع والمشاحنة.

- لذلك ينبغي أن تدخل أي تفاوض بنفسية مَن يريد بناء هذه الجسور لا بنفسية مَن يريد أن يفحم الطرف المفاوض له ويجرده من أي مكسب؛ لأن عملية التفاوض هي عملية ثنائية أو متعددة الأطراف يريد كل طرف أن ينتصر فيها، ولكي ينتصر لا بد أن يشعر الطرف الآخر في المفاوضات أنه أيضًا قد حقق مصالحه.

- فالتفاوض من المهارات الأساسية التي يحتاج إليها الإنسان في حياته، فيحتاج لها في عمله مع إدارة عمله، ومع زملاء العمل، وكذلك يحتاجها في بيعه وشرائه، وفي بيته عند إدارة شئون البيت وتقسيم الحقوق والواجبات بين أفراد أسرته، وكذلك في عمله التطوعي؛ فبالتفاوض يستطيع الإنسان الانتصار في خلافاته وعقد الاتفاقات، وإبرام الصفقات دون عنفٍ، ويستطيع الإنسان تعزيز مصالحه، وبناء جسور من العلاقات بينه وبين محيطه.

تعريف التفاوض:

للتفاوض العديد من التعريفات، نختار منها:

- أن التفاوض هو عملية نقاشية تتم بين طرفين أو عِدَّة أطراف يتم فيها تبادل المعلومات ثم المساومة للوصول لاتفاق يحقق المصالح المشتركة لأطراف التفاوض.

أهمية التفاوض:

- التفاوض بديل عن الصراع، فتبرز أهمية مهارة التفاوض في أنها وسيلة جيدة لحل النزاعات بطرق سلمية، وتجنبنا النزاعات وتجاذباتها التي تؤدي في نهاية المطاف لخسارة جميع الأطراف.

- كذلك تمكنا مهارة التفاوض من تعزيز مصالحنا، وحصار المشكلات والخلافات عن طريق النقاش، ورسم طريق ثالث بين المتنازعين يعمل على تحقيق مصالحهم المشتركة.

- تقدِّم عملية التفاوض حلولًا بعيدة المدي تصلح أن تكون قاعدة نبني عليها طرقًا مستقرة لحلِّ النزاعات.

- ترسِّخ عملية التفاوض العلاقات السوية بين الناس، فيتفهم كلُّ طرف لاحتياجات الآخر ويعمل على بناء علاقات مستقرة بعيدة عن جوِّ الصراعات التي تسبب القطيعة والنفرة.

- توفر عملية التفاوض الجهد البدني والمادي والمعنوي والمالي لاستغلال تلك الجهود في الأعمال البنائية، والتي تعود بالنفع المباشر على المجتمعات.

- أهمية التفاوض للعمل التطوعي خاصة.

- يحتاج العمل التطوعي لبيئة مستقرة لكي ينمو ويؤتي بثماره، فالعمل التطوعي أشبه بالأراضي الزراعية، والتي تحتاج للرعاية والانتقال من تمهيد الأرض للبذر للري والحماية من الآفات للحصاد، ولكي تتم كل تلك المراحل لا بد أن تكون البيئة مساعدة على ذلك، فالمطر الغزير والفيضانات والعواصف تعيق من نمو الزراعات وتتلف المحصول، وكذلك فالصراعات والخصومات هي في الحقيقة معوقات وعوامل تعرقل العمل التطوعي، فينبغي العمل على تجنبها قَدْر المستطاع.

أنواع التفاوض:

- هناك العديد مِن أنواع المفاوضات من حيث قضية التفاوض، ومن حيث وسيلة التفاوض، ومن حيث بيئة التفاوض.

- فهناك المفاوضات التكاملية والتوزيعية، والتكاملية حين يكون نتيجة التفاوض هي تقسيم الشيء الواحد، والذي هو موضوع التفاوض على مجموعةٍ مِن الجهات، كأن تتعاون مجموعة من الجمعيات على القيام بحملة تبرع للدم بحيث تقوم كل جمعية بخطوة من الخطوات داخل هذه الحملة الواحدة، ويكون التفاوض حول دور كل جمعية في هذه الحملة.

أما المفاوضات التوزيعية فهي: توزيع عددٍ مِن الأعمال على عددٍ مِن الهيئات، وكل عمل مِن هذه الأعمال قائم بذاته، كأن يوجد العديد من الأعمال المختلفة، وتقوم كل جمعية بعمل مستقل كأن تقوم جمعية بحملة للتبرع بالدم، ثم تقوم الأخرى بحملة لتشجير المدينة، بينما تقوم الثالثة بإقامة معارض للسلع.

وينقسم التفاوض من حيث بيئة التفاوض إلى التفاوض في بيئة مستقرة وغير مستقرة: فهناك مفاوضات تجري في بيئة مستقرة، وهي البيئة التي تحكمها قواعد واضحة، وأطراف التفاوض تحترم هذه القواعد، وأن تلزم أطراف التفاوض بمخرجات عملية التفاوض من اتفاقات وصفقات وتعهدات، وهناك مفاوضات تجري في بيئات غير مستقرة كفترات الثورات مثلًا حيث تغيب القواعد، ويكثر التنصل مِن العهود، بل وربما تعذر مثلًا معرفة مَن هي الجهة المنوط بها التفاوض عن المتظاهرين.

وهناك التفاوض المباشرة وعبر وسيط: وهناك مفاوضات مباشرة بين أطراف قضية التفاوض بشكل مباشر وهنالك مفاوضات تتم من خلال وسيط يعمل على تقريب وجهات النظر، وتعزيز الثقة بين الأطراف.

ومن حيث وسيلة التفاوض: هناك التفاوض عن طريق اللقاء وجهًا لوجه، وهناك التفاوض عبر وسائل التواصل الحديثة.

ومن حيث المكسب والخسارة: هناك مفاوضات يكسب فيها الجميع، وهناك مفاوضات يكسب فيها طرف ويخسر طرف.

مراحل التفاوض:

دعونا لكي نتحدث عن التفاوض، نقسِّم عملية التفاوض إلى ثلاث مراحل: مرحلة ما قبل التفاوض، ومرحلة التفاوض، ومرحلة ما بعد عملية التفاوض.

أولًا: مرحلة ما قبل التفاوض:

مرحلة ما قبل التفاوض هي مرحلة استعداد للتفاوض؛ سواء من حيث تصنيف القضية المتفاوض حولها أو من حيث اختيار فريق التفاوض أو مِن حيث جمع المعلومات عن الفريق المفاوض، والتخطيط لعملية التفاوض، فالتفاوض عملية إدارية متكاملة تستخدم فيها جميع الوظائف الإدارية من تخطيط وتنظيم وتوظيف، وتوجيه ومتابعة.

كيف الاستعداد لعملية التفاوض؟

1- اجمع المعلومات عن القضية محل التفاوض، وقم بدراستها بشكلٍ جيدٍ.

2- ادرس كذلك الظروف المحيطة بعملية التفاوض ومدى تأثيرها في عملية التفاوض.

3- تصنيف قضية التفاوض: هل هي قضية تفاوضية أم قضية مبادئ لا تقبل التفاوض أو ضع إطارًا عامًّا لها، وتحديد قضية التفاوض وتصنيفها: هل هي من القضايا القابلة للتفاوض والحلول الوسط أم أنها من قضايا المبادئ التي لا تقبل التنازل، وأنها في حال التنازل عنها يترتَّب على ذلك مِن الخسائر ما لا يمكن جبره داخل المؤسسة.

4- تحديد الحد الأدنى المقبول لدينا مِن نتائج المفاوضات.

تحديد ما المقبول وغير المقبول من التنازلات في العملية التفاوضية؟

فعلينا أن نحدد أهداف المؤسسة من عملية التفاوض، وما النقاط والأهداف التي يمكن أن تتنازل عنها المؤسسة أثناء عملية التفاوض، وما الأهداف التي تعتبر الحد الأدنى الذي لن تتنازل عنه المؤسسة، وما الاقتراحات غير المحورية التي يمكن أن نتنازل عنها؛ لإشعار الطرف المفاوض أنه قد حَقَّق انتصارًا، وما الاقتراحات التي لن نقبل التنازل عنها.

1- ضع البدائل المتاحة التي سوف تعرضها أثناء عملية التفاوض، ثم حدد البديل الذي يمثِّل الوضع الأمثل لمؤسستك، ثم حاول حشد أدوات الإقناع التي ستستخدمها لإقناع الطرف الآخر.

2- بناءً على دراستك لقضية التفاوض؛ حدد الاختصاصات الواجب توافرها في فريق التفاوض الخاص بمؤسستك، والتي ستختار فريق التفاوض بناءً على أساسها.

اختيار المفاوض:

يعد اختيار المفاوض مِن النقاط الحيوية في عملية التفاوض؛ وذلك لمحورية دور المفاوض، ولا أبالغ حين أقول: إن اختيار المفاوض يشكل نصف عملية المفاوضة، فالمفاوض هو لسان مؤسسته، وهو الذي يخوض النقاش نيابة عن مؤسسته؛ لذلك يجب على المؤسسة أن تبذل جهدها لاختيار المفاوض وَفْق معايير واضحة.

فمن معايير اختيار المفاوض:

1- أن يكون مستوعبًا لمنهج ومبادئ المؤسسة مطلعًا على أهدافها؛ بحيث لا يغرد بعيدًا عن أهداف مؤسسة أثناء التفاوض.

2- أن يكون قادرًا على التخطيط، ويستطيع تخيل مسارات عملية التفاوض متوقعًا لردِّ فعل المفاوض تجاه اقتراحاته.

3- أن يكون قادرًا على طرح العديد من البدائل التي تحقق مصلحة مؤسسته، وفي نفس الوقت تلقى القبول الجهة التي تتفاوض معه.

4- القدرة على ضبط النفس، وإدراك ما المعلومات التي يمكن الإفصاح عنها، وما المعلومات التي إن أفصح عنها أضر بعملية التفاوض.

5- أن يمتلك مهارة الإقناع، وهي القدرة على حشد الأدلة أن الاقتراح الذي قدَّمه مِن شأنه أن يحقق أيضًا مصلحة الطرف المفاوض.

6- أن يكون ممَّن يحسن الاستماع، ويصغي جيدًا للطرف الآخر، ويستطيع قراءة الرسائل التي بين السطور، ويفهم جيدًا دلالة مفردات الطرف المفاوض، فحسن الاستماع هي أفضل وسيلة تستخرج بها المعلومات من الطرف المفاوض.

7- أن يكون ممَّن يحسن الاستنتاج والاستنباط، ويستطيع إكمال الفراغات التي تكون بين المعلومات التي يسمعها من الطرف الآخر بالمفاوضات.

8- أن يكون واثقًا من نفسه غير مهتز، مستحضرًا إخلاصه لله وعدالة قضيته، وأنه لا يمثِّل شخصه، بل يمثِّل مؤسسته بكلِّ ما فيها، ومَن فيها، فعند عملية التفاوض لا يعتبر نفسه فردًا، بل هو كائن بحجم المؤسسة التي ينتمي لها بكل أفرادها، وهو لسان ذلك الكائن الذي يتفاوض به.

9- أن يتمتع بدماثة الخلق، ويحسن اختيار كلماته، ويستطيع أن يصنع جوًّا مِن التفاهم مع الطرف المفاوض.

10- أن يكون موضوعيًّا لا يحلِّق في الخيال، ولا يأخذ الاحتداد في النقاش من الطرف الآخر أنه إهانة شخصية له، بل يحافظ على هدوئه، ولا يلتفت نظره عن الأهداف التي حملته أيها مؤسسته.

11- تحتاج المفاوضات لشخص صبور يحسن سياسة النفس الطويل، ويستطيع أن يتعامل مع أنماط مختلفة من البشر فسوف يتعامل مع الهادئ والعصبي، ومع المتعصب والمعتدل، ومع الخلوق والبذيء، والودود والجاف.

12- ابتعد عن الشخصيات الهشة ضعيف الثقة بالنفس أو التي يسهل برمجتها، أو مَن يقتنع بالشيء وعكسه بسهولة.

13- ابتعد عن الشخص الذي يشعر بالاستقلالية، والإعجاب بالنفس، والذي يرى لنفسه منة على مؤسسته، وأنه مميز عن غيره، وأنه لا أحد يتمتع بدرجة فهمه، وأنه يقوم مقام الجميع ولا أحد يقوم مقامه، هذا الإحساس الذي يدفعه لحجب معلومات عن المؤسسة لثقته الزائدة بنفسه، والتي يصاحبها دائمًا ضعف الثقة في غيره، والذي قد يدفعه أيضًا لحجب النقاط السلبية في التفاوض أو الحرج من الاعتراف أنه فشل في عملية التفاوض فيدعي نجاحات لم تحدث.

14- ابتعد عن غير المتشبع بمنهج ومبادئ مؤسسته، والذي يغلِّب مصالحه الشخصية على مصالح مؤسسته.

15- ابتعد عن الشخص الذي يسهل إقناعه بالشيء ونقيضه في نفس الوقت.

16- ابتعد عن الشخص المكتئب، والذي يرتدي نظارة سوداء يرى بها السلبيات فقط؛ لأن عملية التفاوض تحتاج لشخصٍ يملأ قلبه الطموح.

17- ابتعد عن الشخص الذي يجد صعوبة في الاسترسال في الكلام، أو التعبير عن أفكاره بأوضح العبارات، أو أن سلة مفرداته لا تسعفه للتعبير عن أفكاره بأفضل المفردات.

تدريب فريق التفاوض:

ومِن الضروري بعد عمليتي دراسة قضية التفاوض واختيار فريق التفاوض: أن نشرع في تدريب فريق التفاوض، فينبغي أن نتأكد مِن أن فريق التفاوض ملم جيدًا بأهداف المؤسسة ومنطلقاتها، ثم متفهم جيدًا لقضية التفاوض، ومدرك لأهداف المؤسسة من عملية التفاوض، وما حدود قضية التفاوض؛ سواء من حيث سقف الطموح أو الحد المقبول من التنازلات، وما تكتيكات العملية التفاوضية.

ومِن المهم: قيام فريق التفاوض بدراسة شخصيات فريق التفاوض المقابل، وفهمها جيدًا، ومعرفة اهتماماتها، ومفاتيح شخصياتها؛ لأن ذلك مهم في تهيئة جوِّ التفاوض، وإزالة حالة التوتر التي تسيطر على بدايات عملية التفاوض.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.