التعمية بالإسلاموفوبيا

  • 28

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يمكن أن نسلم بذلك التفسير السطحي المُغرض للإسلاموفوبيا على أنها رد فعل على التنظيمات المتطرفة لبعض المسلمين، فهو ليس أكثر مِن تفسير انهزامي أمام الحضارة الغربية، تبثه أجهزة غربية معادية ضمن حملتها لتشويه الإسلام، فهو إلصاق لِتُهم بلا بحث أو دراسة؛ فضلًا عن أنه يتفق مع تاريخ الغرب وأوروبا و"حضارتهم" الملطخ بأبشع الجرائم وأحط المشاعر، فالتاريخ الغربي يطفح بقتل الأبرياء المسالمين واضطهادهم وسفك دمائهم بقلوب قاسية، وإذلال شعوب العالم الثالث ونهب ثرواته؛ فضلًا عن روح التعصب الديني الذي لا يزال يستبد بهوى الناس في أوروبا إلى عهدنا الحاضر، وما "اليمين المتطرف" من ذلك ببعيد!

إن دعاوى الإسلاموفوبيا لَتَتهاوى تحت أقدام أبسط دليل بحثي أو تفكير منطقي، ويمكن بسهولة كشف خديعة "عصر الأنوار" الأوروبي عندما سرق نتائج الحركة العلمية للحضارة الإسلامية ونسبها لنفسه، ثم يدشن تلك الحملة المسعورة ضد الإسلام تحت شعار: (الإسلاموفوبيا).

ربّما يثور التساؤل لأول وهلة عن غرابة الصلة بين الحركة العلمية في ظلِّ الحضارة الإسلامية وظاهرة (الإسلاموفوبيا)؛ فهذا الشعار الذي يثير الرعب من الإسلام والمسلمين، وهو في حقيقته تعبير عن محاولة إنكار فضل علماء المسلمين على حضارة أوروبا، بل إنه يمثّل أيضًا ظاهرة مرضية لاتهام الغير بكل الصفات المنفرة؛ إمعانًا في التضليل وإخفاءً لسجاياه الحسنة وكتمانًا لأفضاله، وهي من حِيَل المرضى الذين يعانون من الإحساس بالنقص بتشويه صورة الغير!

إن الأدلة والبراهين التي تكشَّفت خلال القعود الماضية، تثبت بما لا يدع مجالًا للشكّ على أن التقدم العلمي للغرب أساسه السطو على مؤلفات علماء المسلمين في العلوم المختلفة، وأن التقدُّم العلمي ظل حتى العصر الحديث إسلاميًّا وعربيًّا.

لقد كانت هناك يقظة علمية في مصر قبل الغزو الاستعماري الفرنسي 1798م، الذي تعمد الاحتلال إجهاضها، ويذكر "الجبرتي" في ترجمة أبيه: "وحضر إليه طلّاب الإفرنج وقرؤوا عليه، وذلك عام 1746م، وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم في ذلك الوقت، وأخرجوه من القول إلى الفعل".

إن ما يُقَال حول مركزية أوروبا العلمية الثقافية إنما هو من "الأباطيل"؛ لأن مصطلح أوروبا ذاته يرجع إلى اللفظ الفينيقي erub الدال على "مكان في ظلام العالم السفلي" وعلى الجهل، وكان يُنظر إلى هؤلاء الذين يسكنون المنطقة لما يربو على ألف عام أنها لا تعدو أن تكون موضعًا متخلفًا ثقافيًّا تلفه ظلمة الجهل، ولا علاقة له البتة بشئون المجتمعات المتحضرة، ولابد لهم أن يُضمروا -فيما بعد- مشاعر الاستياء والحقد، وقد أجَّجها حس لا يهدأ بالنقص الثقافي الذي مضى بتعمق.

وتنفي دراسات حديث المزاعم حول نسبة أصول الغرب الثقافية إلى حضارة الإغريق القديمة؛ لأن حقيقة الأمر هي أن اليونان القديمة كانت أكثر ارتباطًا ثقافيًّا وجينيًّا بمصر وبلاد الشام من ارتباطها بأية منطقة في الشمال؛ وبالإضافة إلى ذلك: فقد كان يفصل بين ظهور الغرب واليونان القديمة -السلف المزعوم- فترة زمنية استمرت عِدَّة قرون بعد سقوط روما "عصر مظلم" بحق، وقامت أثناءه الكنيسة -عن عمد- بقمع المعرفة الإغريقية التقليدية "الوثنية".

بينما تم الحفاظ على الموروث الفكري لليونان، وتوسيع مداه وتنقيحه، وبشكل حصري، من خلال الجهود الثقافية والعلمية العربية والإسلامية لمدة تربو على سبعمائة عام! وكان الغرب يتعلم كتابات أرسطو وأقرانه من خلال الجامعات الإسلامية العظيمة التي أقيمت في قرطبة وطليطلة، وبغداد ودمشق، والقاهرة، والمغرب وتونس، وأصفهان.

وفي واقع الأمر: فإن الدورَ المفتاح الذي لعبه الفكر الإسلامي كان جليًّا في مولد "الحضارة الغربية" ذاتها؛ هذا هو التعليل أو التفسير الأول لهذه الظاهرة، أمَّا الرأي الثاني فهو بمثابة التعليل النفسي لعداء الغرب للإسلام.

إن دراسة الوقائع التاريخية والمقارنات بين بعض علماء الغرب والمسلمين، نخلص منها أن التقدُّم العلمي للغرب أساسه: السطو على مؤلفات علماء الإسلام في العلوم المختلفة، ولكي يخفي الغرب ذلك عمل على تشويه صور المسلمين واختلاق الأكاذيب حولهم، وهي ظاهرة مرضية، تفصح عن الإحساس بالنقص.

وإنَّ ما يُسمَّى بالإسلاموفوبيا ما هي إلا تنفيس عن عقدة نفسية، والغرب خلق هويته الثقافية وكوَّنها من جراء نهبه لتراث المسلمين العلمي، واحتلال أرضه، والسطو على ثرواته!