رجفت الأرض وزلزلت ... فهل من معتبر؟!

  • 28

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد وقع زلزال بقوة 6.6 ريختر في منطقة شرق البحر المتوسط على بعد ٤١٥ كم من دمياط، كما يقول المتخصصون، ووقع قبله بأسبوعين زلزال بقوة 5.9 ريختر بالقرب من جزيرة كريت.

وكلاهما شعر به أهل مصر، وحتى ندرك قوة هذا الزلزال ومدى تأثيره؛ فإن الزلازل القوية تبدأ من مقياس ٥.٥ ريختر، وزلزال ١٩٩٢ المشهور الذي وقع في مصر كانت قوته ٥.٨ ريختر، لكن من فضل الله ورحمته أن الزلازل التي وقعت مؤخرًا مركزها ليس مصر، وتبتعد عن مصر بمئات الكيلومترات، بينما زلزال ١٩٩٢ مركزه مصر.

والزلازل من آيات الله التي تدعو أولًا إلى التفكر في قدرته عز وجل ورحمته بعباده؛ فالأرض التي نعيش عليها مستقرة وثابتة بالشكل الكافي لنحيا عليها، ونبني البيوت والإنشاءات المختلفة مِن: مدارس وجامعات، ومستشفيات، ومصالح متعددة الأغراض التجارية والخدمية، وغيرها؛ فماذا لو أن الأرض صارت في رجفة وزلزلة مستمرة؟!

إن زلزال ١٩٩٢ الذي ضَرَب مصر استمر لنصف دقيقة فقط كانت كافية؛ لأن يموت المئات، وتقع إصابات بالآلاف، ويتشرد عشرات الآلاف بعد تهدم بيوتهم وتصدعها؛ فكيف لو استمر دقائق أو ساعات أو زادت قوته؟! فبعض الزلازل تصل قوتها إلى ٧ و٨ ريختر، فسبحان الله! نعمة قرار الأرض نعمة كبيرة.

قال الله تعالى: "اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، والزلازل من آيات الله التي يرسلها تخويفًا لعباده، كما قال عز وجل: "وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا".

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: "قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ خَوَّفَ النَّاسَ بِمَا يَشَاءُ مِنْ آيَاتِهِ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَذَّكَّرُونَ وَيَرْجِعُونَ، ذُكر لَنَا أَنَّ الْكُوفَةَ رُجِفَتْ عَلَى عَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ، وَهَكَذَا رُوي أَنَّ الْمَدِينَةَ زُلزلت عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرَّاتٍ، فَقَالَ عُمَرُ: أَحْدَثْتُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ عَادَتْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ".

إن كثرة الزلازل من علامات الساعة: بوب البخاري رحمه الله: "باب ما قيل في الزلازل والآيات"، وروى في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يُقبَض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض".

فيا عباد الله، توبوا إلى الله واستغفروه، وأصلحوا من أنفسكم، وقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقفات للمراجعة:

نقف ثلاث وقفات مع أنفسنا ومجتمعنا في أمورٍ مِن واقعنا تحتاج إلى مراجعة:

الوقفة الأولى: أعظم الفتن الشرك بالله ثم البدع، ومداهنة غير المسلمين في دينهم، بل ومشاركتهم في احتفالاتهم وأعيادهم التي هي أكبر مظاهر دينهم وشعائرهم، وهذا يغضب الله سبحانه وتعالى. 

ما كان يراه الناس بالأمس حرامًا أصبح اليوم عندهم حلالًا، بل توارد مَن ينتسب إلى العلم والفتوى في تبريره، وهاجموا بأشد العبارات المتمسك بدينه واعتبروه تشددا!  

هكذا يضيع الدِّين بين الغالي والجافي، وبين المُفْرِط والمقصِّر!

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أحسن معاملة غير المسلمين، فكان أحسن الناس خُلًقًا، ولم يمنعه ذلك من التبرؤ من شركهم، ونادى فيهم: "قل يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون".

ولا تزال طائفة من أهل العلم والإيمان قائمة بأمر الدين لا يضرها مَن خالفها أو خذلها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

الوقفة الثانية: انتشار الشهوات والمحرمات وترك الصلاة قرينان، قال الله تعالى: "فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا"، والناظر للمجتمع يرى ذلك بوضوح من التفريط في أهم أركان الدين وهو الصلاة.

كثير من الشباب لا يصلي، كثير من النساء لا يصلين، وهذا مما يغضب الله عز وجل، فهل من عودة سريعًا وتوبة وإنابة؟

إن انتشار المخدرات والعلاقات المحرمة مع ضعف الممانعة مِن المجتمع، ومعظم ما يقدمه الإعلام والمواقع هو هذا النوع من الشهوات التي هي من أكبر أسباب نزول العقاب العام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فعن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فزعًا محمرًا وجهه، يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه"، وحلَّق بإصبعه الإبهام، والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (رواه مسلم في صحيحه).

قال ابن بطال: "فيكون إهلاك جميع الناس عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي".

وقال ابن حجر في معنى الخبث: "فسروه بالزنا وبأولاد الزنا وبالفسوق والفجور، وهو أولى؛ لأنه قابله بالصلاح. قال ابن العربي: فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه، لكن حيث لا يجدي ذلك ويصر الشرير على عمله السيئ، ويفشو ذلك ويكثر حتى يعم الفساد فيهلك حينئذٍ القليل والكثير ثم يحشر كل أحد على نيته.

الوقفة الثالثة: قصور أهل الدعوة في القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إن المجتمع يهلك إذا لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر، وتواردت الأدلة في هذا المعنى كما في حديث السفينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا" (رواه البخاري في صحيحه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الناسَ إذا رَأَوْا منكرًا فلم يُغَيِّرُوه؛ يُوشِكُ أن يَعُمَّهُمُ اللهُ بعِقابِهِ" (رواه ابن ماجه والترمذي، وصححه الألباني).

إن انشغالك أيها الداعي بدنياك أو بقيل وقال، والبطالة والكسل، واستصعاب الدعوة والتعلل بالعقبات دون أن تقدم شيئًا خطر كبير عليك، وعلى المجتمع؛ فإن قعد المصلحون فمَن يأخذ بيد الناس؟!

فاللهم اعفُ عنا واغفر لنا، ولا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.