تونس ... إلى أين؟ (5) حركة الاتجاه الإسلامي بتونس (حزب النهضة)

  • 34

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحركة الاتجاه الإسلامي بتونس هي حركة تتبنى الكثير من المفاهيم الفكرية لحركة الإخوان المسلمين، وتهدف إلى التصدي للمدِّ العلماني في تونس عن طريق العمل السياسي، وهي تعد ردَّ فعل ضد التطرف العلماني والاستبداد السياسي هناك.

فقد تشبعت فترة حكم الحبيب بورقيبة في تونس و(إلى حدٍّ كبيرٍ بالثقافة الغربية، والنزعة التحديثية العلمانية التي كانت ترى أن التحديثَ والتطوير السياسي والمجتمعي في تونس لن يمر عبر الثقافة العربية والإسلامية التقليدية، وإنما باستلهام روح الحضارة الغربية الحديثة، وقد عمل الرئيس بورقيبة على إقصاء المؤسسة الدينية التقليدية الممثلة في جامع الزيتونة، وطبق مجموعة من الإجراءات التشريعية والإدارية التي تتصادم مع الموروث الديني والقيمي، حيث وصفتها الحركة الإسلامية حينها بالراديكالية العلمانية.

وقد كان من أبرز مظاهر هذه الإجراءات: قيام الدولة بنزع حق التوجيه الروحي والديني من جامع الزيتونة، وتطبيق قوانين وصفت بأنها متعارضة مع صحيح الدين ومسائل الزواج والطلاق)، (وتتبنى نظام التعليم المدني وغيرها. ولا شك أن الأحداث التي مَرَّت بها العديد من الدول العربية، ومنها: مصر وتونس في نهاية عقد الستينيات، ومنها: نكسة 1967؛ قد أدَّت إلى حدوث انقلاب على المشروع القومي العربي بكل تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ مما جعل هذه البلاد عرضة لتغييرات وتحولات تتناقض مع السياسات التحررية، فجاءت هذه الحقبة الجديدة لتؤسس لمرحلة مناقضة للمراحل السابقة، وكما حدث في مصر فقد شكلت هذه الظروف الأسباب الرئيسية لنشأة الحركة الإسلامية وظهورها في تونس) (راجع: إخوان تونس: رحلة الصعود والسقوط) المقالة الأولى (بدايات التأسيس) - مصطفى بكري - جريدة الأسبوع - عدد 16 أغسطس 2021 :3 بتصرفٍ).  

تأسست حركة الاتجاه الإسلامي في تونس في عام 1969 من خلال التقاء دكتور "راشد الغنوشي"، و"الشيخ عبد الفتاح مورو"، وتعاهدهما على العمل والدعوة للإسلام في تونس في ظل فكر ومنهج الإخوان المسلمين.

ود. الغنوشي مؤسس الحركة: من مواليد مدينة الحامة بولاية قابس بالجنوب الشرقي من تونس، درس في دمشق وأتم دراسته العليا في الفلسفة والتربية في فرنسا.

واعتقل الغنوشي وحُكِم عليه بالسجن في عام 1981 ثم في عام 1987، وعندما أفرج عنه غادر تونس ليمارس نشاطه من خارج البلاد.

أما الشيخ عبد الفتاح مورو: فهو الأمين العام للحركة، وهو مِن مواليد عام 1948 في تونس. حصل على إجازة الحقوق عام 1970، وتولَّى مهنة القضاء حتى عام 1977، ثم التحق بعدها بالمحاماة، وخلال تعرض الحركة للمحنة في عهد زين العابدين بن علي، الذي خلَّف بورقيبة في الحكم، انشق عبد الفتاح مورو عن الحركة، وشكَّل جماعة جديدة.

وقد جاء ميلاد هذه الحركة: (بهدف وجود دعوة إسلامية تهدف إلى إحياء وإعادة الوصل بين الدين والحياة الحديثة التي صاغها عهد الاستقلال بمعزل عن الإسلام كما كان يرى مؤسسو هذه الحركة، وقد نجحت الحركة الإسلامية التونسية الوليدة في التواجد داخل أوساط الطلاب والشباب في هذه الفترة) (المصدر السابق).

مع تزايد نشاط الحركة الفكري والثقافي من خلال الندوات والكتابة والنشر لبلورة مفاهيم وقيم الإسلام في مجالات الأدب والثقافة، ودعم الطلاب والطالبات شنَّت جرائد الحزب الحاكم حملة شعواء على الحركة.

(ومع ازدياد حِدَّة التوترات الداخلية في تونس؛ بسبب تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد اندلعت مظاهرات واحتجاجات في أواخر السبعينيات)، فقرر بورقيبة الموافقة على السماح بالتعددية السياسية ضمن إطار محدد، (حيث أكَّد بورقيبة أنه لا يمانع من تأسيس جمعيات سياسية في البلاد) (المصدر السابق بتصرفٍ).   

ومع الدخول في مجال العمل السياسي بالإعلان عن تشكيل المكتب السياسي العلني الأول لحركة الاتجاه الإسلامي والتقدُّم بطلب رسمي للترخيص القانوني لإنشاء حزب؛ ازدادت الحرب وحملات التهديد والوعيد ضد الحركة، (ورفضت الجهات المسئولة الترخيص للحركة، وزاد التوتر بين الطرفين، فتم القبض على رئيس الحركة وأمينها بتهمة العمل السياسي في إطار حركة غير مرخصة في 18 يوليو 1981، وصدر الحكم عليهما بالسجن عشر سنوات) (المصدر السابق بتصرفٍ)، ثم أطلق سراح مورو في أغسطس 1983، والإفراج عن الغنوشي في العام التالي.

مع انتشار فكر الحركة أعلنت الحركة عام 1985 عن تشكيل مكتبها التنفيذي الثالث برئاسة راشد الغنوشي، واختيار عبد الفتاح مورو أمينًا عامًّا، ولاقت الحركة ما يشبه الاعتراف الفعلي بوجودها السياسي، وظهرت كتابات ومؤلفات لبعض مفكري الحركة.

في عام 1987 أعيد القبض على الغنوشي بتهمة التورط في تمويل عملية إرهابية، وتم الحكم عليه بالأشغال الشاقة مدى الحياة، وفي نفس العام (1987) تم عزل بورقيبة وتولى زين العابدين السلطة، فأفرج عن رموز الحركة في بداية حكمه.

وفي عام 1989 صدر قانون جديد للأحزاب فغيَّرت الحركة اسمها إلى (حزب النهضة)، وحققت نجاحًا في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية في عام 1989، فكان ذلك إعلانًا بنهاية الوفاق بين الحركة وبين نظام زين العابدين، بل وبين القوى السياسية في تونس.

وتعرض الغنوشي للتهديد من وزارة الداخلية، فغادر البلاد في مايو 1989 حيث استقر به المقام في لندن، وتولى (الصادق شورو) رئاسة المكتب السياسي للحركة خَلَفًا له (المصدر السابق بتصرفٍ)، و(راجع: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة" - ط. دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع - الرياض - ط. الخامسة 1424 هـ - 2003، ج1/ 214 – 219).

في 1991 تم اعتقال وسجن قيادات الحركة والكثير من شبابها، فتوقفت الحركة عن ممارسة نشاطها العلني حتى انطلاق الثورة التونسية في ديسمبر 2010. 

وللحديث بقية -إن شاء الله-.