وقفات مع حديث خامة الزرع (موعظة الأسبوع)

وقفات مع حديث خامة الزرع (موعظة الأسبوع)

  • 32

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

مقدمة:

- من الوسائل النبوية في تربية المؤمنين وتعليمهم، ضرب المثال الذي يعينهم على الصبر والثبات: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنِ كَالخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيحُ مَرَّةً، وتَعْدِلُهَا مَرَّةً، ومَثَلُ المُنَافِقِ كَالأرْزَةِ، لا تَزَالُ حتَّى يَكونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً واحِدَةً) (متفق عليه)(1).

قال النووي -رحمه الله-: "قال العلماء: معنى الحديث أن المؤمن كثير الآلام في بدنه أو أهله أو ماله، وذلك مكفِّر لسيئاته، ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليلها، وإن وقع به شيء لم يكفر شيئًا من سيئاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة" (شرح مسلم للنووي).

الحكمة من تشبيه المؤمن بخامة الزرع والمنافق بالأرزة:

(1) المؤمن دائم البلاء والآلام:

- فكما أن الخامة تتعرض للرياح على الدوام، فكذلك المؤمن مع البلاء، لترفع درجته وتكفر سيئاته: قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2-3)، وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155)(2).

- وأما الفاجر والمنافق فهو كالأرزة، قليل البلاء والآلام: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دخَلَ أعرابيٌّ على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال له رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أخَذَتكَ أمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟) قال: وما أُمُّ مِلْدَمٍ؟ قال: (حَرٌّ يكون بين الجِلْدِ واللحمِ) قال: ما وجَدتُ هذا قَطُّ، قال: (فهل أَخَذَكَ الصُّداعُ قَطُّ؟) قال: وما الصُّداعُ؟ قال: عُروقٌ تَضرِبُ على الإنسانِ في رأسِه، قال: ما وَجَدتُ هذا قَطُّ، قال: فلمَّا ولَّى قال: مَنْ أَحَبَّ أنْ يَنظُرَ إلى رجُلٍ مِن أهلِ النَّارِ فلْيَنظُرْ إلى هذا" (رواه أحمد واللفظ له، وقال الألباني: "إسناده حسن").

(2) المؤمن يخضع لربه عند الشدائد والمحن:

- فكما أن الخامة إذا جاءت الريح خضعت لها، لتحفظ حياتها، فالمؤمن يخضع ويذل وينكسر لربه عند الشدائد، ليحفظ حياة قلبه(3): قال تعالى عن نبيه يونس -عليه السلام-: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء:87-88).

وأما الفاجر والمنافق فهو غليظ مستكبر، لا يخضع لربه ولا ينكسر ولا يتأثر كالأرزة(4): قال تعالى عن قوم عاد وقد نزل بهم البلاء وعلامات نزول العذاب: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (الاحقاف:24-25).

(3) المؤمن ضعيف في ظاهره، قوى في باطنه:

- فكما أن الخامة تظهر ضعيفة مع الرياح؛ إلا أنها لا تموت، وكذلك المؤمن يطمع فيه اللئام لغربته بين الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بَدَأَ الإسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) (رواه مسلم)، وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173).

- وأما الفاجر والمنافق فلا يجترئ عليه عموم الناس لارتفاعه وغلظته، وإن كانت حقيقته الضعف: قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) (المنافقون:4).

(4) المؤمن أليف مع إخوانه:

- فكما أن الخامة تكون مجتمعة مع النبت مِن حولها، كذلك المؤمن يألف ويتقوى بإخوانه: قال تعالى: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) (الفتح:29)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) (متفق عليه)، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة:71).

- وأما الفاجر والمنافق فإنه وإن كان في جماعة مثله، فهو لا يألف كالأرزة وحدها؛ لأنه يريد مصالحه وهو عديم الوفاء: قال تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) (الحشر:14).

(5) المؤمن مبارك في حياته وبعد مماته:

- فكما أن الخامة ينتفع بها في حياتها بثمرها وحبها، وبعد مماتها بآثارها، كذلك المؤمن(5): عن أبي صفوان عبد الله بن بشر الأسلمي -رضي الله عنه- أنَّ أعرابيًّا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، مَن خيرُ النَّاسِ؟ قالَ: (مَن طالَ عمرُهُ، وحَسُنَ عملُهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) (رواه مسلم).

- وأما الفاجر والمنافق فلا نفع له، كالأرزة لا تثمر، وبعد موتها لا تصلح إلا حطبًا: عن عبد الله بن مسعود قال: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجِنَازَةٍ، فَقالَ: (مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه)، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما المُسْتَرِيحُ والمُسْتَرَاحُ منه؟ قالَ: (العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيَا وأَذَاهَا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ منه العِبَادُ والبِلَادُ، والشَّجَرُ والدَّوَابُّ) (متفق عليه)، وقال تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) (هود:60).

(6) حال أهل الجنة حال خامة الزرع، وحال أهل النار حال الأرزة:

- عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ الجَنَّةِ؟) قالوا: بَلَى، قالَ صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أقْسَمَ علَى اللهِ لأَبَرَّهُ)، ثُمَّ قالَ: (ألا أُخْبِرُكُمْ بأَهْلِ النَّارِ؟) قالوا: بَلَى، قالَ: (كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ) (متفق عليه).

خاتمة: عود على بدء:

- تذكير بالحديث، ومعناه باختصار.

فاللهم يا مثبِّت القلوب، ثبِّت قلوبنا على طاعتك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال العلماء في تفسير الحديث: الخامة هي الزرع أول ما ينبت على ساقٍ واحدٍ، فالريح تميلها حال اشتدادها، وتعدلها حال سكونها. وأما الأرزة فهي: شجرة الصنوبر، وهو شجر صلب لا يحركه هبوب الريح، وانجعافها هو انقلاعها.

(2) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في نفسِهِ وولدِهِ ومالِهِ حتَّى يَلقى اللَّهَ وما عليْهِ خطيئةٌ) (رواه أحمد والترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح").

(3) قال تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:156)، والمؤمن تصدر منه أنواع من العبادات عند المحن والشدائد: كالدعاء، والصلاة، وغيرها.

(4) قال تعالى: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43).

(5) فالمؤمن في حياته يعمرها بالعبادة والصلاة، والذكر والصدقة، والبر والدعوة إلى الخير، وبعد مماته يترك من بعده آثارًا صالحة.