• الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (54) اصطفاءُ الله -عز وجل- لإبراهيم -عليه السلام- وذريته (1)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (54) اصطفاءُ الله -عز وجل- لإبراهيم -عليه السلام- وذريته (1)

  • 66

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ‌آدَمَ ‌وَنُوحًا ‌وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران: 33-34).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اخْتَارَ هَذِهِ الْبُيُوتَ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاصْطَفَى آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَهْبَطَهُ مِنْهَا، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَاصْطَفَى نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَمَّا عَبَدَ النَّاسُ الْأَوْثَانَ، وَأَشْرَكُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانَا، وَانْتَقَمَ لَهُ لَمَّا طَالَتْ مُدَّتُهُ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، وَاصْطَفَى آلَ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُمْ: سَيِّدُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالْمُرَادُ بِعِمْرَانَ هَذَا: هُوَ وَالِدُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ أُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَاشَمَ بْنِ أَمُونَ بْنِ مَيْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أَمْصِيَا بْنِ يَاوشَ بْنِ أجريهو بْنِ يَازِمَ بْنِ يَهْفَاشَاطَ بْنِ إِنْشَا بْنِ أَبِيَّانَ بْنِ رُخَيْعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، فَعِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ" (انتهى من تفسير ابن كثير).

وقال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني بذلك جلّ ثناؤه: إن الله اجتبى آدمَ ونوحًا واختارهما لدينهما -أي: مِن أجل دينهما-، وآل إبراهيم وآل عمران لدينهم الذي كانوا عليه؛ لأنهم كانوا أهل الإسلام، فأخبرَ اللهُ -عز وجل- أنه اختار دين مَنْ ذكرنا على سائر الأديان التي خالفته، وإنما عَنَى بـ"آل إبراهيم وآل عمران" المؤمنين" (تفسير الطبري).

وقد دللنا على أن "آل الرجل" أتباعه وقومه، ومَن هو على دينه، عن ابن عباس -رضي الله عنه- في قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله -عز وجل-: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ‌وَهَذَا ‌النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (آل عمران: 68)، وهم المؤمنون.

عن قتادة في قوله -تعالى-: "(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) رجلان نبيَّان اصطفاهما الله على العالمين" -(قلتُ: لعله قصد نوحًا وإبراهيم؛ لأن الله ذكرهما مُقدَّمين على العالمين في مواضع عِدَّة)-، وعن قتادة في الآية قال: ذكر الله أهلَ بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضَّلهم على العالمين، فكان محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- من آل إبراهيم.

وعن الحسن في قوله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ) إلى قوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، قال: فضلهم الله على العالمين بالنبوة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياءَ المصطفين لربهم، وقوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) قال ابن جرير: يعني بذلك: إن الله اصطفى آلَ إبراهيم وآل عمران ذريةً بعضها من بعض.

وإنما جعل "بعضهم من بعض" في الموالاة في الدين، والمؤازرة على الإسلام والحق، كما قال جل ثناؤه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، وقال في موضع آخر: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (التوبة: 67)، يعني: أن دينهم واحدٌ وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، إنما معناه: ذرية دينُ بعضها دينُ بعض، وكلمتهم واحدةٌ، وملتهم واحدة في توحيد الله وطاعته.

وعن قتادة في قوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.

وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تُضمره في نفسها، إذ نذَرت له ما في بطنها مُحرَّرًا (انتهى من ابن جرير).

قال القرطبي -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)، قال: التقدير: إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام، فحُذِف المضاف. وقال الزجاج: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم. (وَنُوحًا) قيل: إنه مشتق مِن ناح ينوح، وهو اسم أعجمي؛ إلا أنه انصرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف (قلتُ: هذا هو الصحيح، وليس أنه مشتق من النوح؛ فلا دليل على ذلك).

قال: "وهو شيخ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم -عليه السلام- بتحريم البنات والأخوات، والعمات والخالات، وسائر القرابات، ومَن قال: إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وَهِم على ما يأتي بيانه في (الأعراف) إن شاء الله".

قوله -تعالى-: (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) في البخاري عن ابن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران: المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله -تعالى-: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:68).

وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران، ومنه قوله -تعالى-: (وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) (البقرة: 248)، وفي الحديث: "يا أبا مُوسى لقَدْ أُوتِيتَ مِزْمارًا مِن مَزامِيرِ آلِ داوُدَ" متفق عليه، وقيل: آل عمران آل إبراهيم، كما قال: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)، وقيل: المراد عيسى؛ لأن أمه ابنة عمران، وقيل: نفسه كما ذكرنا، وقال مقاتل: هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر بن فاهاث بن لاوى بن يعقوب، وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو مِن ولد سليمان -عليه السلام-.

وحكى السهيلي: عمران بن ماتان، وامرأته حنة، خص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء؛ لأن الأنبياء والرسل بقضهم وقضيضهم من نسلهم، ولم ينصرف عمران؛ لأن في آخره ألفًا ونونًا زائدتين، ومعنى قوله: (عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: على عالمي زمانهم في قول أهل التفسير، وقال الترمذي الحكيم: على جميع الخلق كلهم، وقيل: (عَلَى الْعَالَمِينَ): على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور؛ وذلك لأن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق، فأما محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد جازت مرتبته الاصطفاء؛ لأنه حبيب ورحمة، قال الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، فالرسل خُلِقوا للرحمة، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- خُلق بنفسه رحمة؛ فلذلك صار أمانًا للخلق لما بعثه الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور، وسائر الأنبياء لم يَحِلُّوا هذا المحل؛ ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: "يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا رحمةٌ مُهداةٌ" (رواه الدارمي، وصححه الألباني)، يخبر أنه بنفسه رحمة من الله للخلق، وقوله: "مهداة" أي: هدية من الله للخلق.

ويقال: اختار آدم بخمسة أشياء: أولها: أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته. والثاني: أنه علَّمه الأسماء كلها. والثالث: أمر الملائكة بأن يسجدوا له. والرابع: أسكنه الجنة، والخامس جعله أبا البشر.

واختار نوحًا بخمسة أشياء: أولها: أنه جعله أبا البشر؛ لأن الناس كلهم غرقوا وصار ذريته هم الباقين، والثاني: أنه أطال عمره. ويُقَال: طوبى لمَن طال عمره وحسن عمله. والثالث أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين. والرابع: أنه حمله على السفينة. والخامس: أنه كان أول مَن نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يحرِّم تزويج الخالات والعمات.

واختار إبراهيم بخمسة أشياء: أولها: أنه جعله أبا الأنبياء؛ لأنه رُوي أنه خرج من صُلبه ألف نبي من زمانه إلى زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-. والثاني: أنه اتخذه خليلًا. والثالث: أنه أنجاه من النار. والرابع: أنه جعله إمامًا للناس. والخامس: أنه ابتلاه بالكلمات فوفَّقه حتى أتمهن. (قلتُ: أما أنه خرج من صلبه ألف نبي؛ فهذا لا دليل عليه).

ثم قال: وآل عمران، فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على العالمين؛ حيث بَعَثَ على قومه المنَّ والسلوى، وذلك لم يكن لأحدٍ مِن الأنبياء في العالم، وإن كان أبا مريم فإنه اصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحدٍ في العالم، والله أعلم.

وقوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ): معنى بعضها مِن بعض، يعني في التناصر في الدين، كما قال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) يعني في الضلالة، قاله الحسن وقتادة. وقيل: في الاجتباء والاصطفاء والنبوة. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها" (انتهى).