الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (55) اصطفاء الله إبراهيم وآله وذريته (2)

  • 56

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ‌آدَمَ ‌وَنُوحًا ‌وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران: 33-34).

في الآية فوائد:

الأول: الاصطفاء والاجتباء من صفات الله -تعالى- الفعلية؛ فهو وحده يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس كما يشاء -سبحانه-، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص:68)، والخيرة في الآية ليست بمعنى الإرادة؛ بل بمعنى الاصطفاء والاجتباء والتفضيل، كما قال -تعالى- لموسى: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) (طه:13)، فكما يصطفي اللهُ -سبحانه- للنبوة والرسالة مَن شاء مِن خلقه؛ فهو يجتبي ويصطفي مَن شاء للصلاح من عباده المؤمنين ولاتباع دين الإسلام، كما قال -تعالى-: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:78).

والنظر في الاجتباء والاصطفاء والتفضيل مأمور به شرعًا؛ ليتعظ الإنسان، ويعرف أن الله وحده الذي له التفضيل، قال -عز وجل-: (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) (الإسراء: 21).

وليشهد المؤمن آثارَ الحكمة والقدرة، والإرادة والعلم، والسمع والبصر من صفات الله -تعالى-، ومَن تأمَّل مَنْ اجتباهم الله واصطفاهم، وكيف كانت صفاتهم وأخلاقهم، وأعمالهم، وأحوالهم الإيمانية؛ فإنه لا بد أن يحبهم، ولا بد أن يحب الذي اصطفاهم وصنعهم على عينه؛ فهو أعلم -سبحانه- بالشاكرين، وأعلم حيث يجعل رسالته، وهو الذي يَقْسِم رحمته الدينية والدنيوية بين خلقه، (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف:32)، وهو -سبحانه- يقسم رحمته بفضله وعلمه، وحكمته، وسمعه وبصره، وكل ذلك أيضًا بالعدل فهو لا يظلم الناس شيئًا، لكن الناس أنفسهم يظلمون.

الفائدة الثانية: ذِكرُ اللهِ اجتباء آدم ونوحًا، وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ولا نزاع في نبوة آدم ونوح وإبراهيم -صلى الله عليهم وسلم أجمعين-، ولا أعلمُ نصًّا في إثبات أو نفي نبوة عمران، إن كان هو والد مريم كما رجَّحه ابن كثير، أو إن كان والد موسى وهارون -صلى الله عليهما وسلم- كما رجَّحه غير ابن كثير، والاصطفاء كما ذكرنا يكون بالاختيار للعمل الصالح والدين الحق، كما قد يكون بالنبوة والرسالة، فالأقرب في ذلك السكوت والتوقف لاحتمال الأدلة للأمرين وعدم ظهور الترجيح بينهما. 

الفائدة الثالثة: اجتباء واصطفاء الله لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، اجتباءٌ واصطفاءٌ عظيم؛ إذ اتخذه خليلًا وأتاه رشده من أول أمره، وابتلاه بكلمات فأتمهن، وصبرَ على الرمي في النار، وصبر على ذبح الولد لله -عز وجل-، وصبر على ترك وَلَدِه وأمِ ولده في وادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وبنى بيتَ الله الحرام، وحجَ البيتَ هو وذريته جميعًا، وذريتهم مِن بعده، وأتاه الصحف، صحف إبراهيم، وجعل من ذريته النبوة والكتاب، وكان الذي عمّر بالتوحيد أعظم بقاع الأرض مكة المكرمة، ثم بيت المَقدس، وصبر على الدعوة إلى الله أعظم الصبر، ولم يؤمن به إلا رجلٌ واحدٌ وهو لوط -عليه السلام-، وامرأةٌ واحدةٌ هي امرأته سارة، ووصفه اللهُ بأنه حليم أوّاه منيب، وفارق قومه وهاجر لله -سبحانه وتعالى-، وتبرأ منهم لما أصروا على الكفر، فجعله الله الأسوة الحسنة للمؤمنين عبر الزمان، قال -تعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الممتحنة:4-6).

فلذلك حُقَّ للأمم أن تسعى للانتساب لإبراهيم، والقرب منه، فمنَّ اللهُ على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذه الأولوية وهذا الشرف، وباتباع ملته حقًا، فقال -عز وجل-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:67 -68)، فلا تصحُ نِسْبة إلى إبراهيم إلا من خلال اتباع محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وخاتم الأنبياء، الذي هو مِن آل إبراهيم، بل هو أشرف آل إبراهيم، بل هو أشرف الخليقة على الإطلاق -صلى الله عليه وسلم-.

ولا بد لصحة الانتساب إلى إبراهيم مِن الإيمان بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، ولا يصح اتباع ملة إبراهيم ودين إبراهيم الحق إلا باتباع دين محمد -صلى الله عليه وسلم- وشريعته، والبراءة ممن كذَّبه أو خالفه؛ حتى لو انتسب إلى الأنبياء السابقين، فإن العهد الذي أخذه الله عليهم بالإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم- يُوجب عليهم الإيمان به إذا بلغه خبره، وإلا كفروا برسلهم وأنبيائهم، قال الله -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:81)، وقال الله -تعالى-: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف 156 -158).

وقال الله -تعالى-: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح:29).

فلا يصح إيمانٌ بالتوراة ولا بالإنجيل، ولا بموسى ولا بعيسى ولا بأبيهم إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا بالإيمان بالرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-، وبالقرآن العظيم؛ فهذا هو الدين الإبراهيمي الحق، لا دينَ إبراهيمي يمكن أن يحصل للإنسان دون أن يؤمنَ بالقرآن، وبالرسول -عليه الصلاة والسلام-.

فاللهم يا مُقلب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، ويا مُصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين.