• الرئيسية
  • المقالات
  • الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (60) حقيقة دين إبراهيم عليه السلام وعلاقته باليهودية والنصرانية (5)

الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (60) حقيقة دين إبراهيم عليه السلام وعلاقته باليهودية والنصرانية (5)

  • 54

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ‌لِمَ ‌تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 65-68).

الفائدة الخامسة:

دَلَّ قولُه تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) على براءة إبراهيم صلى الله عليه وسلم من اليهودية والنصرانية، وأنه كان مسلمًا، وهذا الإسلام -الذي هو دِين الأنبياء جميعًا- قَائِمٌ على توحيد الله، ونفي الشرك عنه وإبطاله، والإيمان برسل الله واتِّباعهم صلى الله عليهم وسلم جميعًا، قال الله عز وجل عن نوح صلى الله عليه وسلم: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:72).

وقال عن موسى صلى الله عليه وسلم: (‌وَقَالَ ‌مُوسَى ‌يَا قَوْمِ ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌آمَنْتُمْ ‌بِاللَّهِ ‌فَعَلَيْهِ ‌تَوَكَّلُوا ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌مُسْلِمِينَ . فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) (يونس: 84-85).

وقال الله تعالى عن فرعون وهو يغرق معلنًا دخول دين موسى عليه السلام وبني إسرائيل: (حَتَّى إِذَا ‌أَدْرَكَهُ ‌الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:90)، وقال سبحانه عن الحواريين في إيمانهم بعيسى صلى الله عليه وسلم: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) (المائدة:111)، وقال سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:52).

فهذا الإٍسلام هو دين الله في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ لا يقبل اللهُ غيرَه مِن أحدٍ، وبعد بعثةِ النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوجب اللهُ اتِّباعه على الإنس والجن؛ لم يعد ممكنًا أن يحقق أحدٌ صحةَ الانتسِاب لدين الإسلام إلا بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، واتِّباعه، واتِّباع الشريعة الخاتمة التي أُنزِلت عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَ ‌مُوسَى ‌حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (رواه أحمد، وحسنه الألباني)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى صلى الله عليه وسلم -عندما ينزل في آخر الزمان حاكمًا بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومبطِلًا لسائر الملل-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم حَكَمًا مُقْسِطًا؛ فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، ‌وَيَضَعَ ‌الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) (متفق عليه).

وقال تعالى: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء:159)؛ فسَّرها أبو هريرة رضي الله عنه بإيمان أهل الكتاب قَبْل موت عيسى صلى الله عليه وسلم بعد نزوله الأرض قائدًا وإماما؛ لأمة الإسلام أمةٍ محمد صلى الله عليه وسلم.

الفائدة السادسة:

قوله تعالى: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): يدل على نفي وإبطال الشرك بأنواعِه كلِّها: الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، والشرك في الأسماء والصفات؛ فأما الشرك في الأسماء والصفات فهو: بأن يعتقد وصفَ الله بصفاتِ المخلوقين، أو أن يصفَ المخلوقين بصفات الله، أو أن يجحدَ وينفي أسماءَ الله وصفاته الدَّالَّة على كماله.

فأما وصفُ الله بصفات المخلوقين، فهو كما قال الله عز وجل عن اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ ‌مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (المائدة:64)، وقال الله عز وجل عنهم: (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران:181).

وأنكر الله عز وجل على مَن قال اتَّخذ الله وَلَدًا! كما قال سبحانه: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ‌قَاتَلَهُمُ ‌اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة:30)، وقال سبحانه وتعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص).

وقال عز وجل عن مشركي قريش: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ۚ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ . سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الصافات:158- 159).

وأما مَن وصفَ المخلوق بصفة الخالق؛ كمَن يعتقد أن غيرَ الله عز وجل يَمْلِكُ الضرَّ والنفع، والإحياء والإماتة، والخفض والرفع، والإعزاز والإذلال؛ فقد قال الله عز وجل: (‌قُلِ ‌اللَّهُمَّ ‌مَالِكَ ‌الْمُلْكِ ‌تُؤْتِي ‌الْمُلْكَ ‌مَنْ ‌تَشَاءُ ‌وَتَنْزِعُ ‌الْمُلْكَ ‌مِمَّنْ ‌تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26).

وكالذين يعتقدون أن غيرَ اللهَ عز وجل يدبِّر الأمر، أو يَمْلِك شيئًا في هذا العَالَم! قال سبحانه وتعالى: (﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ . وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سبأ:22-23)، وقال عز وجل: (أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) (يونس:31).

فإذا كان هؤلاء المشركون كَفَروا؛ رغم اعتقادهم أن تدبيرَ الأمر، ومِلك السمع والبصر لله وحده؛ فكيف بمَن اعتقد بأن الله يملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويدبِّر الأمر؟! تعالى الله عن ذلك!

ومِن الشرك في الربوبية: دعاوى الحرية المُعَاصِرَة التي لا تَرَى سقفًا لحرية البشر؛ إلا أهواؤهم، وهم يرون أنهم أحرارٌ في أنفسهم ليسوا مملوكين لله! والله سبحانه وتعالى هو المَلِك الحق دون مَن سواه.

وكذلك مَن يعتقد أن غيرَ الله يأمر وينهى ويشرِّع، ويَسَود الناس بما يريده دون شرع الله: قال الله عز وجل: (‌اتَّخَذُوا ‌أَحْبَارَهُمْ ‌وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه: (أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟) قال: فقلت: بَلَى، قَالَ: (فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ) (رواه الترمذي والبيهقي، وصححه الألباني).

ودعاوى الديموقراطية على النمط الغربي الذي يَرَى حقَّ الناس في وضع التشريعات دون رجوعٍ لشرع الله، بل يعاقبون مَن يطالب بالرجوع إلى شرع الله! هو مِن الشرك الأكبر في الربوبية.

وأما الشرك في الألوهية فهو: بصرف العبادة لغير الله، مِن: حبٍّ وخوفٍ ورجاءٍ، وتوكل وإنابة، وافتقار، وإخلاص، وشكر وصبر، وذبح ونذر، وحَلِف، ودعاء، واستغاثة، واستعانة، واستعاذة، وسائر أنواع العبادات.

ودَلَّت الآية -أيضًا- على وجوب البراءة مِن الشرك وأهله؛ وإلا فمَن صَحَّح شركهم ورضي به وأحبه، واتبعهم عليه، ونصرهم عليه، وحارب أهلَ الإيمان في صفهم؛ فهو مشرك مثلهم.

نعوذ بالله من الشرك.

ونستكمل في المقال القادم إن شاء الله.