البناء الفكري من قصص الكتاب والسُّنة (4) قصة الأعرابي

  • 31

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ"؛ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ دَعَاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلا الْقَذَرِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عز وجل، وَالصَّلاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ"؛ فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. (متفق عليه). لا تُزْرِمُوهُ: أي: لا تقطعوا عليه بَولَهُ.

الدروس المستفادة:      

1- حُسنُ تعليم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنه يُعلِّم بالرِّفق واللِّين.

2- يجبُ ارتكاب الضَّرر الأخفِّ مِن أجل دفع الضَّررِ الأشدِّ.

3- ترْكُ الأعرابي يُكمِلُ بولَهُ ضررٌ أخفُّ مِن قطع بوله عليه؛ فإنَّ قطعَ البول يتضمنُ أضرارًا كثيرةً أشد مِن البول في المسجد، مِنها:

- احتباسُ البول في بدنه بما يؤذيه.

- تقاطُرُ البول في أماكن أخرى مِن المسجد وعلى ثيابه وبدنه بما يُوسِّع دائرة النجاسة.

أمثلة على قاعدة: (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف):

مثال (1): جوازُ فداء الأسير المسلم بالمال؛ لأنَّ ضررَ أسر المسلم عند الكفار أشد مِن ضرر دفع المال إليهم.

مثال (2): إذا أخذ الإنسانُ خَشَبةً غصبًا، ثم وضعها في بناءٍ له؛ فإنه لا يجب على الغَاصِب نقضَ بنائه لإخراج الخشبة، بل يجب عليه أن يدفعَ قيمتها لصاحبها؛ لأنَّ ضررَ نقض البناء أشد.

من ذاكرة التاريخ:

يحكى أنَّ أحدَ السلاطين أراد ضَرْبَ عُنُق رجلٍ لم يستحق القتل؛ فقام أحد العلماء المُقرَّبين مِن السلطان يحاوره حتى رضي السلطان بضرب ذلك الرجل بالعصا بدلًا مِن القتل بشرط أن يكون الذي يضربه ذلك العالم أمام الناس؛ فأُخرج الرجل إلى مجمع الناس، فضربه العالم؛ فتفرَّق الناس وهم يشتمونه أقبح شتمٍ، وهم غيرُ مَلُومِين؛ لأنَّ هذا الفعل في الظاهر مُنكر، فكيف يفعله ذلك العالِم؟! ولو انكشفت لهم الحقيقة وعلِموا أنه تَفَاداه بضرب العصا عن ضرب السيف، لرفعوا أيديهم بالدعاء له والترضِّي عنه. (انظر رفع الأساطين للشوكاني).