آفات بشرية فردية وجماعية

  • 56

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا فيديو لامرأة تصوِّر رجلًا جالسًا على الأرض، وتقول: إنه مدرس ابنتها، وقد تحرش بابنتها أثناء الدرس، فصرخت البنت وجاءت الأم التي استدعت جيرانها حيث أوسعوه ضربًا، وقامت باستدعاء الشرطة التي وصلت، وتم القبض عليه وعُرِض على النيابة لأيام، وقد حاولت زوجته التصالح والأم المبلِّغة ترفض، وفي الأثناء ينتشر الفيديو انتشار النار في الهشيم، وتتوالى عليه التعليقات التي تلعنه، وتلعن فئته!

وهكذا يضع الناس أنفسهم في الإثم، وفجأة يغلق ملف القضية، ويأتي خبر بأن الموضوع كله ملفَّق، وأن خلافًا ماديًّا بين المدرس الذي أصر على أخذ حقه من أم البنت وبين هذه السيدة التي لا تريد دفع ما يطلبه منها هو الذي جعلها تفعل ذلك!

وأتصور الآن حال هذا المدرس المسكين حين صرخت المرأة مستدعية جيرانها متهمة إياه بالتحرش بابنتها، فلو أقسم ألف قَسَم لما صدقه أحدٌ؛ فمِن غير المعقول أن ترضى السيدة بذلك على ابنتها لأجل خلاف بينهما على بضعة جنيهات، والجيران وقتها في حالة حماس ضد الفعل المشين منه، وأيضًا مجاملة لجارتهم المصون!

والآن وبعد تكشف الحقيقة وفي حدود ضيقة؛ مَن الذي سيعيد لهذا المدرس حقه وكرامته التي أهدرت؟!

وكيف سيؤدي الناس الذين أوسعوه ضربًا وشتمًا ولعنًا حقه إليه؟!

إنها آفة بشرية لا بد من الحذر منها، وهي: تصديق الشائعات، وإصدار الأحكام المتسرعة على الناس؛ فعلوا ذلك مع أنبياء الله: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ومع نبي الله إبراهيم عليهم السلام، وفعلوا ذلك مع موسى وعيسى، ومع نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا زالوا يفعلون.

وهذه الآفة -إصدار الأحكام المطلقة على الآخرين دون روية أو بحث أو تثبُّت- لا يكاد يخلو منها أحدٌ؛ فردًا كان أو جماعة، فمتى يرد كل واحدٍ منا ما عليه مِن حقوق للآخرين، خصومًا كانوا أو منافسين حين أصدر عليهم أحكامه المسبقة والمطلقة؟!