علامات صحة القلب

  • 53

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلما كان القلب هو الأصل، والجوارح هي الفرع، والقلب هو القائد والجوارح هي الجنود، كان فلاحه وصلاحه بصلاح الفرع، وفساده بفساد الفرع، ففي حال الصلاح كل الأوامر الصادرة من الأصل، وهو القلب أوامر صالحة وتدعو للصلاح، فكلها عقيدة سليمة صافية سالمة من الشرك، وأوامر كلها اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم سالمة من البدع، أوامر فيها محافظة على العبادات، مِن: صلاة وزكاة وصيام وحج، وبر وصدق، وأمانة، واجتناب للنواهي مِن: ربا وفواحش ومنكرات، وكذب ونميمة وبهتان، فسلم من المنكرات فيكتب لصاحب هذا القلب النجاة في (يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا مَن أتى الله بقلب سليم)، سلم من الشرك الذي هو ضد التوحيد، وسلم من البدع التي هي ضد الاتباع، وسلم من الأمراض القلبية من غل وحقد وحسد، وغيره، الذي هو ضد التزكية والصفاء، فنجا وكتب له الخلود في الجنان.

وأما إذا فسد الأصل شقي الفرع، وإذا مات القائد اعتلت الجنود، فكانت الأوامر الصادرة للفرع منها ما هو شرك بعيد عن التوحيد، وابتداع بعيد عن الاتباع، وأوامر كلها شهوات وذنوب ومعاصٍ، بعيدة عن (ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها"، فلا تكتب نجاة لصاحب هذه النفس "يوم لا ينفع مال ولا بنون"، "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين"، فلا شك أن الفلاح والسعادة في صلاح القلب وفلاحه، والشقاء والتعاسة في فساد القلب وطلاحه.

فلابد أن تفتش عن قلبك وتنظر إلى أحواله بين الحين والآخر، ولا تتركه فينقلب عليك، ولا تفتح أبواب الشهوات والشبهات على مصراعيها أمام قلبك فيموت بها القلب، وخذ بناصيته إلى مرضاة ربك؛ لتحيا الحياة السعيدة، وانظر إلى علامات صحة القلب، وقس قلبك عليها؛ فإن كانت موجودة فالحمد لله على نعمة الله، وإن لم تكن موجودة فمن الآن وفِّرها قبل ضياع الفرصة ومجيء الحسرات، في يوم لا تنفع فيه الحسرة، ولا الندامة.

فمن هذه العلامات:

أولًا: أن يقبل العبد على الله بكليته في جميع أوقاته، وفي حله وترحاله، وأفراحه واطراحه، فينظر ما لله في أوقاته وهو مقبل على الفروض، وبعدها النوافل، فيكون قلبه حيًّا بين رياض الذكر وصيام الهواجر، فينالك بذلك محبة الله، وينتقل بين عبادة وأخرى؛ لأنه يعلم أن من بركة الحسنة الحسنة بعدها، فيكون بين قراءة القرآن والاستغفار، والدعاء، وقيام الليل، وروضة الذكر.

ثانيًا: البصيرة والفرقان فيرى الحق حقًّا والباطل باطلًا، والمعروف معروفًا، وكذا المنكر منكرًا، فيرى بنور الله، ويسمع بتوفيق الله، ويتكلم برضوان الله، فهو من الله ولله وإلى الله، "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا".

ثالثًا: الانتفاع بالموعظة، والرقة عند سماعها؛ إذا ذكر يتذكر، وإذا وُعِظ يتعظ، وإذا أمر يأتمر، وإذا نهي انتهى؛ فإن للموعظة أعظم التأثير في القلب، قال العرباض بن سارية رضي الله عنه: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ... "، وقال الله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا".

رابعًا: هذا القلب يشهد أثر نعمة الله عليه من الإيمان، والحب والخوف، والخشية، والإنابة، والإخبات، وغيرها من النعم، ولا ينكرها ولا يجحدها، ومِن ثَمَّ يعينه ذلك على شكرها، "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم".

خامسًا: المسارعة في موارد الخير والمسابقة فيها، "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم"، "سابقوا إلى مغفرة من ربكم"، فترى صاحب القلب الحي يستجيب لأمر الله بلا اعتذار ولا تأسف، "الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح"، فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم في أحد من الآلام والأحزان؛ إلا أنهم استجابوا لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استنفرهم لحمراء الأسد لملاقاة أبي سفيان ومَن معه قبل أن يُسلِم رضي الله عنه، ولم يتعللوا لما حدث لهم في أحد ليتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم.

كما أن صاحب هذا القلب يسارع في تنفيذ الأمر؛ فإنه يسارع في اجتناب النهي، فلما سمع أصحاب القلوب الحية السديدة: "فهل أنتم منتهون"، قالوا: "انتهينا انتهينا"، ووصف أنس بن مالك هذا الحدث الضخم فقال: "كنت ساقي القوم -أي: خمرًا- في بيت أبي طلحة -زوج أمه-، وطاف منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرجاء المدينة بتحريم الخمر، فقال أبو طلحة لأنس: انظر ما الأمر؟ فنظر فقال: حُرِّمت الخمر، فقال: يا أنس، اهرق هذه القدور"، فأصبحت شوارع المدينة أنهارًا من الخمر!

هكذا استجابة صاحب القلب السليم الحي؛ لا يتعلل أو يعلِّق الأخطاء على الناس، فيقول: الناس كلها يفعلون ذلك أو منهم من يفعل ذلك، ونحو هذا حتى لا يطبِّق: "فهل أنتم منتهون".

فيا أحبتي الكرام ... هذه بعض أوصاف القلب السليم الذي لا نجاة إلا به، ولا نفع في الدنيا والآخرة إلا من خلاله، فقس قلبك وفتش عنه بين هذه الصفات، فإن وجدته؛ فاحمد الله، وزد من الخير، وإن لم تجده ففتش عن قلبك عساك أن تتحصل عليه.

نسأل الله أن يحيي موات قلوبنا، وأن ينيرها بطاعته عز وجل.