مذهب العلامة الشوكاني في أنواع الكفر والشِّرْك

  • 123

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ذكرنا في التعليق على متن كتاب الدر النضيد أن الإمام الشوكاني لا يُقسِّم الكفر إلى أكبر وأصغر، بل يقول بموجب النصوص، ويُسميه كفرًا، ويُسمي فاعله كافرًا إن كان اختاره على علم، وانشراح صدر؛ سواء كان النص فيما يجعله أهل السُنة كفرًا أكبر أو أصغر. (سعة رحمة رب العالمين طبعة دار المسلم بالرياض 1415 ه 1995 م ص 43).

وما نقله العلامة الشوكاني عن ابن القيم في شرح المنازل في باب التوبة، مِن تقسيم الشِرك إلى أكبر وأصغر، جاء ردًّا على العلامة الصنعاني بأن ما يفعله المعتقدون في الأموات على الصفة التي ذكرها مِن الشِرك العملي لا الاعتقادي.

فقام بالرد عليه مِن نفس كلام ابن القيم، ولكنه لم يُعقِّب على تقسيم الشِرك إلى أكبر وأصغر، كما عَقَّبَ على تقسيم الكفر إلى عملي واعتقادي، حيث قال: "وأما ما نقله السيد المذكور رحمه الله تعالى (يعني الصنعاني) عن ابن القيم في أول كلامه مِن تقسيم الكفر إلى عملي واعتقادي؛ فهو كلام صحيح، وعليه جمهور المحققين، ولكن لا يقول ابن القيم ولا غيره: إن الاعتقاد في الأموات على الصفة التي ذكرها هو مِن الكفر العملي، وسننقل ها هنا كلام ابن القيم في أن ما يفعله المعتقدون في الأموات مِن الشرك الأكبر كما نقله عنه السيد رحمه الله تعالى في كلامه السابق، ثم نتبع ذلك بالنقل عن بعض أهل العلم" (انتهى).

وفي أوائل هذا الكتاب "الدر النضيد" عندما تعرَّض الشوكاني لأحاديث الحَلِف بغير الله تعالى، قال مُعقبًا: وهذه الأحاديث في دواوين الإسلام، وفيها أن الحلِف بغير الله يخرج به الحالف عن الإسلام؛ وذلك لكون الحلف بشيء مظنة تعظيمه.

فلم يُقسم الشِرك في الحلِف بغير الله تعالى إلى أكبر وأصغر.

وانظر نيل الأوطار، كتاب الصلاة، باب: حجة مَن كَفَّر تارك الصلاة. وباب: حُجة مَن لم يُكفِّر تارك الصلاة، ولم يقطع عليه بخلود في النار، ورجا له ما يُرجى لأهل الكبائر. وكتاب: الأيمان، باب: الحلِف بأسماء الله تعالى وصفاته، والنهي عن الحلِف بغير الله تعالى. وكتاب الأيمان مِن كتاب الدرر البهية في المسائل الفقهية. ونيل الأوطار، باب: ما يُذكر فيمَن قال هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا. وانظر السيل الجرار 4 / 549.

وسوف نذكر فيما يلي بعض الآيات والأحاديث الواردة في أنواع الكفر والشِرك، وأقوال بعض الصحابة والتابعين، وأبواب كتب الحديث، وبعض أقوال العلماء مما يتسع له المقام، وبالله التوفيق.

قال تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزقَكمْ أنَّكُمْ تُكَذّبُونَ) (الواقعة: 82).

قال الطبري: يقول: وتجعلون شكر الله على رزقه إياكم التكذيب. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، في قوله: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) يقول: شكركم على ما أنزلت عليكم من الغيث والرحمة. تقولون: مُطرنا بنوء كذا وكذا. قال: فكان ذلك منهم كفرًا بما أنعم عليهم.

قال ابن كثير: وقد روي عن علي، وابن عباس، أنهما قرآها وتجعلون شكركم أنكم تكذبون.

وروى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد رضي الله عنه، قال: "صَلَّى لَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ علَى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: هلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أصْبَحَ مِن عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ، فأمَّا مَن قالَ: مُطِرْنَا بفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَذلكَ مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ بالكَوْكَبِ، وأَمَّا مَن قالَ: بنَوْءِ كَذَا وكَذَا، فَذلكَ كَافِرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ".

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: قوله: "مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ": إذا اعتقد أن للنوء تأثيرًا في إنزال المطر فهذا كفر؛ لأنه أشرك في الربوبية، والمشرِك كافر. وإن لم يعتقد ذلك فهو مِن الشِرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببًا لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل مِن الله ورحمة يحبسه إذا شاء، ويُنزله إذا شاء" (فتح المجيد 2 / 435).

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: فيه مسائل ... الرابعة: أن مِن الكفر مالا يُخرِج مِن الملة.

 قال تعالى: (يَعرِفونَ نِعمَتَ اللَّـهِ ثُمَّ يُنكِرونَها وَأَكثَرُهُمُ الكافِرونَ) (النحل: 83).

وروى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: "صَلَّى لَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بالحُدَيْبِيَةِ علَى إثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: هلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أصْبَحَ مِن عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ، فأمَّا مَن قالَ: مُطِرْنَا بفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَذلكَ مُؤْمِنٌ بي وكَافِرٌ بالكَوْكَبِ، وأَمَّا مَن قالَ: بنَوْءِ كَذَا وكَذَا، فَذلكَ كَافِرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكَوْكَبِ".

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: فيه مسائل ... الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارًا للنعمة.

روى الإمام أحمد في المسند عن محمود بن لبيد الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصْغَرُ، قالوا: وما الشِّركُ الأصْغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ ... " وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وحسنه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند.

تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الشِّركُ الأصْغَرُ".

وأخرج أحمد عن أبي سعيد مرفوعًا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم مِن المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشِرك الخفي، يقوم الرجل فيزين صلاته لِما يرى مِن نظر رجل" (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب 1 / 17).

تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الشِّركُ الخفي".

قال العلامة حافظ بن أحمد حكمي، رحمه الله تعالى:

والشِرْكُ نوعانِ فشرِكٌ أكبرُ ... به خلودُ النارِ إذ لا يُغفَّرُ

وهوَ اتخاذُ العبدِ غيرَ اللهِ ... نِدًا به مُسويًا مُضاهي

يَقصِدُهُ عند نزول الضُرِّ ... لِجلبِ خيرٍ أو لِدفع الشَرَّ

أو عندَ أي غرضٍ لا يَقدِرُ ... عليه إلا المالكُ المقتدرُ

مع جَعلِه لِذلك المدعُوِّ ... أو المُعظَّمِ أو المرجو

في الغيبِ سُلطانًا به يطلِعُ ... على ضميرِ مَن إليه يَفزَعُ

والثانِ شِرِكٌ أصغرٌ وهو الرِّيا ... فسَّرهُ به خِتامُ الأنبيا

ومِنهُ إقسامٌ بغير الباري ... كما أتى في مُحكمِ الأخبارِ

(سُلم الوصول إلى علم الأصول).

وقال في معارج القبول: "ثم اعلم أن الرياء قد أُطلِق في كتاب الله كثيرًا، ويُراد به النفاق الذي هو أعظم الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل مِن النار، كما قال تعالى: "كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" (البقرة: 264).

قال: والفرق بين هذا الرياء الذي هو النفاق الأكبر، وبين الرياء الذي سمَّاه صلى الله عليه وسلم شرِكًا أصغر خفيًّا هو حديث: (الأعمال بالنيات) (متفق عليه).

قال: فإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الأآخرة، وسَلِمَ مِن الرياء في فعله، وكان موافقًا للشرع؛ فذلك العمل الصالح المقبول.

وإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله عزَّ وجلَّ؛ فذلك النفاق الأكبر.

قال: وإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله عزَّ وجلَّ والدار الآخرة، ولكن دخل عليه الرياء في تزيينه وتحسينه؛ فذلك هو الذي سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الشِرْك الأصغر، وفسَّره بالرياء العملي، وزاده أيضاحًا بقوله: "يقوم الرجل فيُصلى فيُزين صلاته لِما يرى مِن نظر رجل إليه" (رواه أحمد، وابن ماجه في الزهد، باب الرياء والسُمعة، وسنده حسن). وهذا لا يخرج مِن الملة، ولكنه يُنقص مِن العمل بقدره، وقد يغلب على العمل فيُحبطه كله والعياذ بالله" (انتهى).

وعن عبد الله بن عباسٍ رضى الله عنهما: "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لو أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شيئًا، قالَتْ: ما رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ" (متفقٌ عليه).

فتأمل قول "خطيبة النساء" أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها: "أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟"، وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ" يتبيَّن لك الأمر جليًّا.

قال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان: باب كُفران العَشير، وكُفرٍ دون كفر.

قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه: "مُراد المصنِف أن يُبيِّن أن الطاعات كما تُسمَّى إيمانًا، كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المُخرِج مِن الملة.

قال الحافظ ابن حجر: "وأما قول المصنِف: "كُفرٍ دون كفر"، فأشار إلى أثرٍ رواه أحمد في كتاب الإيمان مِن طريق عطاء بن أبى رباح وغيره" (الفتح 1 / 104: 105).

وقال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان أيضًا: "باب ظُلمٌ دون ظُلمٍ".

قال الحافظ ابن حجر: "وهذه الجملة لفظ حديث رواه أحمد في كتاب الإيمان مِن حديث عطاء، ورواه أيضًا مِن طريق طاوس عن ابن عباس بمعناه" (الفتح 1 / 109).

وقال في تغليق التعليق 1 / 103: "وأما قوله: "كُفر دون كفر": فوجدته مِن قول عطاء. قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن له: حدثنا نصر بن على، ثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ) (المائدة: 44)، قال: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (رواه أحمد في كتاب الإيمان له عن وكيع، عن سفيان، وروى فيه عن وكيع، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، معناه.

قلتُ: وقال عبد الرازق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سُئِلَ ابن عباس عن قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ) قال: هي به كفر.

قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.

وقال الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" (رواه ابن جرير).

وقال وكيع، عن سعيد المكي، عن طاوس: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: ليس بكفرٍ ينقل عن الملة.

وقال ابن أبى حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عُيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه.

ورواه الحاكم في مستدركه مِن حديث سفيان بن عُيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه، وانظر تفسير ابن كثير 2 / 62.

قال ابن القيم: "وها هنا أصل آخر، وهو: أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد؛ فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودًا وعنادًا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه.

وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان.

وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة؛ فهو من الكفر العملي قطعًا.

ولا يمكن أن ينفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه كفر عمل لا كفر اعتقاد.

ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك الصلاة كافرًا، ولا يطلق عليهما اسم الكفر، وقد نَفَى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمَّن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.

وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" متفقٌ عليه. فهذا كفر عمل، وكذلك قوله: "من أتى كاهنا فصدقه أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أُنزِل على محمد" عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد للبزار، وقال: رجاله رجال الصحيح، خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة.

وقوله: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" متفقٌ عليه.

وقد سمَّى الله سبحانه وتعالى مَن عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به، وكافرًا بما ترك العمل به، فقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه، وهذا يدل على تصديقهم به، وأنهم لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، ثم أخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقًا وأخرجوهم من ديارهم؛ فهذا كفرهم بما أخذ عليهم في الكتاب، ثم أخبر أنهم يفدون مَن أُسِر مِن ذلك الفريق، وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب، فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.

فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" متفقٌ عليه، ففرق بين قتاله وسبابه، وجعل أحدهما فسوقًا لا يكفر به والآخر كفرا، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان.

وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم؛ فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقًا أخرجوا من الملة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقًا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا، وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فهاهنا كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق وظلم دون ظلم.

قال سفيان بن عيينة عن هشام بن جحير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة، 44): ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه، وقال ابن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة، 44)، قال: هو بهم كفر وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال في رواية أخرى عنه: كفر لا ينقل عن الملة، وقال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة، وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه، فإن الله سبحانه سمَّى الحاكم بغير ما أنزله كافرًا، وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافرًا، وليس الكافران على حدٍّ سواء.

وسمَّى الكافر ظالما كما في قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة، 254)، وسمى متعدي حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالمًا، فقال: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّـهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (الطلاق: 1).

وقال نبيه يونس: (لَّا إِلَـهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء، 87)، وقال صفيه آدم: (رَبَّنا ظَلَمنا أَنفُسَنا) (الأعراف، 23)، وقال كليمه موسى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (القصص، 16) وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم.

ويسمى الكافر فاسقًا كما في قوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ. الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّـهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) (البقرة، 26 27)، وقوله: (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) (البقرة، 99)، وهذا كثير في القرآن.

ويسمى المؤمن فاسقًا كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات، 6)، نزلت في الحكم بن أبي العاص وليس الفاسق كالفاسق، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور، 4)، وقال عن إبليس: (فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ) (الكهف، 50)، وقال: (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ) (البقرة، 197)، وليس الفسوق كالفسوق.

والكفر كفران، والظلم ظلمان، والفسق فسقان، وكذا الجهل جهلان: جهل كفر كما في قوله تعالى: (خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ) (الأعراف، 199)، وجهل غير كفر كقوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّـهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) (النساء، 17).

كذلك الشرك شركان: شرك ينقل عن الملة، وهو: الشرك الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة، وهو: الشرك الأصغر، وهو شرك العمل كالرياء، وقال تعالى في الشرك الأكبر: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) (المائدة، 72)، وقال: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج، 31)، وفي شرك الرياء: (فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْـيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِـحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبـادَةِ رَبِّهِ أحَدًا) (الكهف، 110).

ومن هذا الشرك الأصغر قوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (رواه أبو داود وغيره، وصححه الألباني).

ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة، ولا يوجب له حكم الكفار، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" (صحيح)، فانظر كيف انقسم الشرك، والكفر، والفسوق، والظلم، والجهل، إلى ما هو كفر ينقل عن الملة، وإلى ما لا ينقل عنها.

وكذا النفاق نفاقان: نفاق اعتقاد، ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (متفقٌ عليه).

وفي الصحيح أيضا: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومَن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان" (متفقٌ عليه).

فهذا نفاق عمل، وقد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا أكملت في العبد، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها؛ فهذا لا يكون إلا منافقًا خالصًا.

وكلام الإمام أحمد يدل على هذا؛ فإن إسماعيل بن سعيد الصالح قال: سألت أحمد بن حنبل عن المُصر على الكبائر يطلبها بجهده إلا أنه لم يترك الصلاة والزكاة والصوم، هل يكون مصرًّا مَن كانت هذه حاله؟

قال: هو مصر، مثل قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (متفقٌ عليه)، يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام، ونحو قوله: "لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن" (رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني في الصحيحة 709).

ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: 44) قال إسماعيل: فقلت له: ما هذا الكفر؟ قال: كفر لا ينقل عن الملة مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه" (الصلاة، وحكم تاركها ص 43: 48).

ولو استرسلتُ في النقل عن العلماء؛ لطال المقام جدًّا، وفي هذا القَدْر كفاية.

والحمد لله رب العالمين.