وقفات مع سورة الكهف (1)

  • 169

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فسورة الكهف مِن السور العظيمة في كتاب الله، ولها فضائل كثيرة؛ لذلك سيكون لنا معها وقفات للحديث عنها، وبيان عظمتها ومكانتها، والغوص في أعماق معانيها، واستخراج دُررها.

سورة الكهف مكية، وسُميت بسورة الكهف؛ لأنها ذَكَرَتْ قصة أصحاب الكهف في ثناياها، قال أبو عمرو الداني: وسورة الكهف مكية، وكلمها: 1577 كلمة، وحروفها: 6360 حرفًا، وآياتها: 110 آية كما عند الكوفيين، وترتيبها في النزول 69، وفي المصحف 18، ونزلت بعد الغاشية وقبل الشورى.

وقد ذكر الألوسي رحمه الله تعالى: أنها نزلت جملة، ونزل معها سبعون ألفًا من الملائكة (روح المعاني).

وجاء ترتيبها في المصحف بعد سورة الإسراء؛ وذلك لأمورٍ، منها:

1- أن سورة الإسراء خُتمت بالحمد: "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا"، وبدأت به سورة الكهف: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا".

ومنها: أن سورة الإسراء حوت الجواب عن الروح، والذي لم يرد في الكهف بقوله تعالى: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا"، وجاء الجواب عن الرجل الطَّوَّاف، والفتية في سورة الكهف.

ومنها: أن آخر آية في الإسراء أنكرت على مَن يدعي لله الولد، وكذلك بداية سورة الكهف.

فضلها:

جاء عند الإمام مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدركه الدجال؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف"، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن حفظ عشر آيات من سورة الكهف عُصِم من الدجال"، وفي رواية: "من آخر الكهف"، وكذلك أنها مِن السور الخمس التي بدأت بحمد الله تعالى، وهي سور: (الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر).

وسبب نزولها كما ذكر ابن كثير رحمه الله: "عن ابن عباس رضي لله عنه قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من عِلْم الأنبياء، فخرجا حتى آتيا المدينة فسألوا أحبار يهود عن النبي صلى الله عليه وسلم ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فرجل متقول فرَوْا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول وما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها وما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول؛ فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما على قريش فقالا: قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمورٍ، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد، أخبرنا ... فسألوه عما أمروهم به.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم غدًا ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يُحدث الله له في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل عليه السلام حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وَعَدَنا محمدٌ غدًا، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه، فشق عليه ما يتكلَّم به أهل مكة، ثم جاء جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف (تفسير ابن كثير).

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة.