جهود الشافعية في تقرير عقيدة السلف (2)

  • 54

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن الأسباب التي دفعتني للحديث في هذا الموضوع:

1- أهمية المذهب الشافعي وانتشاره في الآفاق؛ ففي جمع جهود علمائه دعوة للمنتسبين إلى المذهب ممَّن زل أو انحرف عن عقيدة السلف إلى تصحيح المسار.

2- لأن الشافعي وأمثاله من أئمة المسلمين المُجْمَع على فضلهم وعلمهم، واستقامتهم ونصحهم، هم الذين ينبغي نشر تقريرهم في أصول الدين، وكلامهم فيها أهم من كلامهم في فروع الدين، وأهم من كلام غيرهم في أصول الدين، كما قال أبو الحسن الكرجي: "ذكر أنه اقتصر في النقل عنهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المقتدى بهم، والمرجوع شرقًا وغربًا إلى مذاهبهم؛ ولأنهم أجمع لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثر لتحصيل أسبابها وأدواتها من جودة الحفظ، والبصيرة والفطنة، والمعرفة بالكتاب والسنة والإجماع، والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب ومواضعها، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصحيح والمدخول في الصدق والصلابة، وظهور الأمانة والديانة ممَّن سواهم. قال: وإن قصر واحد منهم في سبب منها جبر تقصيره قرب عصره من الصحابة والتابعين لهم بإحسان".

وقال أيضًا: "إن في النقل عن هؤلاء إلزامًا للحجة على كلِّ مَن ينتحل مذهب إمام يخالفه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلل صاحبه أو يبدعه أو يكفره، فانتحال مذهبه مع مخالفته له في العقيدة مستنكر والله شرعًا وطبعًا، فمَن قال: أنا شافعي الشرع أشعري الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد؛ إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد، ومن قال: أنا حنبلي في الفروع، معتزلي في الأصول؛ قلنا: قد ضللت إذًا عن سواء السبيل فيما تزعمه إذ لم يكن أحمد معتزلي الدِّين والاجتهاد".

3- بطلان دعوى مَن زعم: أن العقيد السلفية هي عقيدة شيخ الإسلام بن تيمية وبعض تلاميذه، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل هؤلاء من جملة علماء المسلمين الذين ساروا على ما كان عليه أئمة الإسلام من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، ومنهم الأئمة الأربعة وابن المبارك والسفيانين، وغيرهم من أئمة الهدي ومصابيح الدجي.

4- بطلان دعوى مَن زعم أن السواد الأعظم مِن علماء المسلمين متكلمين، أشاعرة وماتريدية، ولقد انتشر هذا  الزعم في زماننا حتى نرى مَن يقول: "كل علماء الشافعية أشاعرة!".