محبة الله غاية المؤمنين (2)

  • 29

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن سألتَ آحاد الناس: هل تحبُ الله تعالى؟ الإجابة حتمًا ويقينًا: نعم، يستوي في ذلك المطيع والعاصي، المؤمن والكافر، المُوحِّد والمشرك، فإن سألت ما علامة ذلك؟ لأنه من البديهي كلُ ادعاء لا بد له من برهان، فإن أتيت بذلك البرهان فهو صدق، وإلا فهو كذب! فإن طرحنا السؤال السابق: ما دليل محبتك لله؟ يذكر المحب حقيقة برهانه، بينما يتلعثم الكاذب، ولا يجد ما يبرهن به.

وهناك علامات للمحبة الصادقة من العبد لربه، نذكر منها وندلل عليها بدليلها مِن وحي القرآن والسنة النبوية، فمنها:

أولًا: تحقيق الاتباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فحياته عليه السلام منهج حياة في التوحيد والعبادة، والأخلاق والسلوك والمعاملة، فمَن كان على طريقه فهو صادق في محبته، ومَن كان معرضًا متنكبًا الصراط ومحاربًا لسنته؛ فهو أبعد الناس عن الله، قال الحسن البصري رحمه الله: "ادَّعى قوم محبة الله فابتلاهم بهذه الآية: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".

ثانيًا: من علامات المحبين لله، ما ذكره في هذه الآية: "يا أيها الذّين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يُحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يُجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم".

هذه الآية ذَكَرَت أربع صفات للمحبين:

١- "أذلة على المؤمنين": فالمؤمن رحيم بهم، متواضع معهم، مشفق عليهم؛ لاقتدائه برسول الله صلى الله عليه وسلم "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك".

٢- وصفٌ آخر: "أعزة على الكافرين"، أي: شديدٌ عليهم، يبغضهم لكفرهم، ولأن الله يبغضهم وهم أعداء الله "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء"، فمِن البرهان على محبتك لله: أن تحب ما يحبه المحبوب، وأن تبغض ما يبغضه المحبوب، فالله يحب المؤمنين، المتقين، الملتزمين بالدين، ويبغض الكافرين المشركين المتمردين على أوامره، وأنت كذلك أيها المحب.

٣- الوصف الثالث في الآية: "يجاهدون في سبيل الله" أي: بالنفس والمال واللسان، والقلم والقلب؛ لأنهم يعلمون أنه ذروة سنام هذا الدين، وهو التجارة الرابحة مع رب العالمين، "يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم . تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"، وكأن السؤال: وما لنا إن فعلنا ذلك؟ فجاءت الإجابة: "يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدنٍ ذلك الفوز العظيم"؛ ولأن ترك الجهاد فيه المَهانة والذِلة للأمة": "إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلَّط الله عليكم ذُلًّا"، فالمحبون لله يجاهدون في سبيل الله على درجة استطاعتهم، وما يتعين عليهم من ذلك.

٤- الصفة الرابعة للمحبين: "لا يخافون لومة لائم في الله"؛ لأنهم يبحثون عن محاب الله ورضوانه؛ فلا يهمهم في إقامة ما أوجبه عليهم لائمة من أحدٍ؛ ولأنهم يعلمون أن مَن أرضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومَن أرضى الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وإرضاء جميع الناس غاية لا تُنَال؛ فما عليك أيها المحب إلا أن تأتي محاب الله ورضوانه، ولا تكترث بكلام الناس، فقد قيل عن الأنبياء أقبح الصفات، "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحرٌ أو مجنون"، وبيَّن الله أن هذا دأبهم: "أتواصوا به بل هم قوم طاغون"، ومع ذلك لم يتركوا دعوتهم، فإن كان هذا مع الرُّسُل وهم الأكرم؛ فما دونهم أيسر وأهون.

ثالثًا: من علامات محبة العبد لربه: الإقبال على الطاعات، فيبدأ بالفرض؛ لأن الله يحب ذلك؛ بالصلوات والزكوات، والصيام والحج، والعبادات القلبية مِن: خوف، ورجاء، وإخلاص، إلخ، ثم يتبع ذلك بالنوافل والمستحبات؛ ليحيا بتوفيق الله في كلِّ حياته، ويسعد في دنياه وأخراه.

فهذه من علامات محبة العبد لمولاه وخالقه، وغيرها كثير، لكن هذه جوامع وأصول لفروعٍ كثيرةٍ.