أقسام التوحيد وتحريف المبطلين (2) تقسيم التوحيد ليس من مخترعات ابن تيمية

  • 63

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحقيقة أن تقسيم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة: (توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات) ليس من مخترعات شيخ الإسلام ابن تيمية -كما زعموا!-، بل قال به أئمة وعلماء من السلف قبل ابن تيمية.

فمِن هؤلاء الأئمة: أبو حنيفة (ت: 150هـ) في الفقه الأكبر الذي قال فيه: (وَالله تَعَالَى يُدعى مِن أعلى لَا من أَسْفَل؛ لأنَّ الأَسْفَل لَيْسَ من وصف الربوبية والألوهية فِي شَيْء).

فقوله: "يدعى مِن أعلى لا من أسفل … ": فيه إثبات العلو لله، وهو مِن توحيد الأسماء والصفات، وفيه رد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم مِن نفاة العلو.

وقوله: "من وصف الربوبية": فيه إثبات توحيد الربوبية.

وقوله: "والألوهية": فيه إثبات توحيد الألوهية.

ومنهم: القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (ت: 182هـ)، وقد نقل كلامه كل من الحافظ ابن مَنْدَه (ت: 395هـ) في كتابه التوحيد.

ومنهم: الإمام أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني (ت: 535هـ) في كتابه الحجة، وأثر أبي يوسف هذا الذي رواه هذان الإمامان عظيم، القدر مشتمل على أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.

قال الدكتور علي فقيهي في التعليق على هذا الأثر في كتاب التوحيد لابن منده: ( ... وقد ذكر أبو يوسف كلامًا نفيسًا في باب التوحيد هو ظاهر في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فذكر أنَّ التوحيد لا يكون بالقياس، مبينًا أنَّ القياس لا يكون إلا إذا وجدت علة حيث قال: ألم تسمع إلى قول الله عز وجل في الآيات التي يصف بها نفسه أنَّه عالم قادر قوي ولم يقل إني قادر عالم لعلة كذا، أو أقدر بسبب كذا، قال: ولذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف الله إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، ثم ذكر أدلة ذلك، ثم قال: لم يقل الله: انظر كيف أنا العالم، وكيف أنا القادر، وإنما قال: انظر كيف خلقت، إلخ، إن ما ذكره رحمه الله لا يحتاج لبيان؛ فراجعه تجد فيه الردَّ على الملحدين في الربوبية وفي الأسماء والصفات مستدلًا بذلك على توحيد العبادة والطاعة لله وحده).

ومنهم: ابن جرير الطبري (ت: 310هـ) في مواطن عديدة من تفسيره، وانظر -على سبيل المثال- كلامه في معنى قوله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله".

ومنهم: أبو جعفر الطحاوي (ت: 321هـ) الذي قال في مقدمة متنه في العقيدة المشهور بالطحاوية: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَلَا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ ... )، فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة؛ فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته.

وقوله: "ولا شيء مثله" هذا من توحيد الأسماء والصفات.

وقوله: "ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية.

وقوله: "ولا إله غيره" هذا من توحيد الألوهية.

ومنهم: أبو حاتم محمد بن حبان البستي (ت: 354هـ) في مقدمة كتابه: "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء"، حيث يقول: (الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، والعالم بتقلبها وأحوالها، المانِّ عليهم بتواتر آلائه المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي أنشأ الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وخلق البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته ونفذت فيهم بعزته إرادته ... ).

ومنهم: ابن أبي زيد القيرواني المالكي (ت: 386هـ) حيث قال في مقدمة كتابه الرسالة: (من ذلك الإيمانُ بالقلب، والنُّطقُ باللِّسان أنَّ الله إلَهٌ واحدٌ لا إله غيرُه، ولا شبيهَ له، ولا نَظيرَ له، ولا وَلَدَ له، ولا وَالِدَ له، ولا صاحبة له، ولا شريكَ له، ليس لأَوَّلِيَّتِهِ ابتداءٌ، ولا لآخِرِيَّتِه انقضَاءٌ، لا يَبْلُغُ كُنْهَ صِفَتِهِ الواصفون، ولاَ يُحيطُ بأمرِه المُتَفَكِّرونَ، يَعتَبِرُ المتفَكِّرونَ بآياته، ولا يَتَفكَّرونَ في مَاهِيَةِ ذاتِه، ولا يُحيطون بشيءٍ من عِلمه إلاَّ بِما شاء … إلى أن قال: … تعالَى أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يُريد، أو يكونَ لأَحَد عنه غِنًى، أو يكون خالقٌ لشيءٍ إلا هو رَبُّ العباد ورَبُّ أعمالِهم، والمُقَدِّرُ لِحَركاتِهم وآجالِهم، الباعثُ الرُّسُل إليهِم لإقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهم)، فذكر الأقسام الثلاثة.

ومنهم: ابن بطة العكبري (ت: 387هـ) في كتابه: "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة".

ومنهم: الإمام القرطبي (ت: 671 هـ) في تفسيره في مواطن عديدة، قال: (الشِّرْكُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ وَكُلُّهُ مُحَرَّمٌ. وَأَصْلُهُ اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، وَهُوَ الشِّرْكُ الْأَعْظَمُ، وَهُوَ شِرْكُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ). وَيَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَوْجُودًا مَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَقِلُّ بِإِحْدَاثِ فِعْلٍ وَإِيجَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ كَوْنَهُ إِلَهًا كَالْقَدَرِيَّةِ مَجُوسِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَيَلِي هَذِهِ الرُّتْبَةَ الْإِشْرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ).

ومنهم: أبو بكر الطرطوشي المالكي (ت: 520هـ) في سراج الملوك، حيث قال: (وأشهد له بالربوبية والوحدانية، وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والنعت الأوفى، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين)، فذكر الأقسام الثلاثة، والنقول في هذا كثيرة.

وقال بهذه الأقسام بعد ذلك: ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والشوكاني، والمقريزي، وابن أبي العز، ومحمد بن عبد الوهاب، وجميع تلاميذهم، وملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر حيث يقول: (أقول: فابتداء كلامه سبحانه وتعالى في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية، وهو ما يجب على العبد أولًا من معرفة الله سبحانه وتعالى ...).

وللرد على المعاصرين المتكلِّمين المنكرين لهذه الأقسام للتوحيد أقول: إنَّ المتكلمين أنفسهم يقسِّمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام، يقول الشهرستاني في "الملل والنحل": (وأما التوحيد فقد قال أهل السنة، وجميع الصفاتية: إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له).

وتأمل كيف جعل هذه الأمور هي غاية التوحيد، وهذا من طريقة المتكلمين؛ فهم يقررون العقائد والآراء الكاسدة، ثم ينسبون ذلك إلى الحق والسُّنَّة!