المساواة العادلة بين الذكر والأنثى

  • 37

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مسألةَ المساواة بين الذكر والأنثى قد استقرت في معانٍ واضحةٍ المَعَالِم، ثم افترقت في مواطن فاصلة؛ إبرازًا للعدل، وطرحا للتناقض في التكليف؛ فلا يصلح مساواة المفترقات، ولا التفريق بين المتساويات، ومَن سَلَّم بالمقدمة الأولى: أن حكمَ الله هو الملزِم؛ لبَحَثَ في مواطن المساواة والافتراق في شرع الله، لا في أجندات المعاندين، ولا أصحاب الهوى النسوي، ومِن ثَمَّ يكون منطلقنا مِن البحث في مواطنه في شرع الله لا غير.

وهذا بيانه:

- المساواة في الإنسانية بمنظور شرعي لا غربي "دعاة المساواة الغربيين وكذبة تاريخية حديثة": إن مِن عظيم الجرأة وقِلَّة الحياء: أن يطالِبَ الغربُ المسلمين باحترام إنسانية المرأة، وهم يتبنون ماضيًا شنيعًا في احتقارها ونبذها، بل واعتبارها أساس الشر، بل وإبليس عينه! ثم عقدوا المؤتمرات والاجتماعات اللاهوتية القديمة في "مجمع ماكون" وغيره، وفي عام 568م؛ ليتساءلوا: هل هي إنسان أم غير إنسان؟ وهل لها روح أم لا؟ وهل روحها إنسانية أم حيوانية؟ وهل تساوي روح الرجل أم لا؟!

حتى صار ذلك دينًا بعد تحريف الكَلِم عن مواضعه؛ فثبَّتوا قواعد الظلم بغطاء رواية سفر التكوين: أن المرأة سبب إغواء الرجل، ومِن ثَمَّ قال "بونا فتور" الملقب بالقديس: "إذا رأيتم امرأة، فلا تحسبوا أنكم ترون كائنًا بشريًّا، بل ولا كائنًا وحشيًّا، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته"، حتى يفجأك الخبر بأن البرلمان الإنكليزي زمان هنري الثامن حظر على المرأة أن تقرأ كتاب العهد الجديد؛ لأنها تعتبر نجسة، وانتقل هذا الميراث المعوج الظالم لأوروبا حتى فترة قريبة؛ حتى إنهم عدلوا بعد الثورة الفرنسية عام 1938 م قانون القاصرين، ومِن جملتهم: المرأة!

بل ظلَّ القانون الإنكليزي حتى عام 1805 م يبيح للرجل أن يبيع زوجته بثمن حدَّده القانون بنصف شلن! بل وظل هذا لزمن قريب حتى حكى الشيخ محمد رشيد رضا: "من الغرائب التي نُقِلت عن بعض صحف إنكلترا في هذه الأيام: أنه لايزال يوجد في بلاد الأرياف الإنكليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جدًّا كثلاثين شلنًا، وقد ذكرت أسماء بعضهم" (حقوق النساء في الإسلام)، هذه مقتطفات من تدوينات مَن أشار مِن أهل العلم، وهذا باب مليء بالمفجعات والظلمات التي نجني منها اليوم ردة فعل عنيفة ألقت بالمرأة في أمواج الرذيلة؛ حتى صارت مرحاض شهوة، تكد ثم يُتسلَّى بها.

- عدل الشريعة ونقاء منبعها: شتان بين مَن حرَّف دينه ثم بَنَى بتحريفه مظالم، وبين مَن استنار بتمام نور يبدِّد الظلَم؛ فانظر إلى هذا الأصل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".

قال السعدي رحمه الله: "وفي الإخبار بأنه خلقهم مِن نفس واحدة، وأنه بثَّهم في أقطار الأرض مع رجوعهم إلى أصلٍ واحدٍ؛ ليعطف بعضهم على بعض، ويرفق بعضهم على بعض"، فوحدة النشأة والأصل فارق بين القرآن وأساطير الأقوام في توصيف المرأة؛ قال سبحانه: "خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ"، وقال سبحانه: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا"، ومِن ثَمَّ رد أساطير القوم وهم يقولون بباطل في نشأتها وأصلها: "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا"، وأما ما يتفرَّع عن بيان النشأة؛ فهذا في محاسن الشريعة التي نذكرها في مقال آخر.

والحمد لله رب العالمين.