عاجل

الدولة الفاطمية والمذهب الشيعي وزواله من مصر في العصر الأيوبي (5)

  • 44

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

بناء مدينة القاهرة:

عسكر جوهر الصقلي بجيشه في الموضع الذي أنشأ فيه مدينة القاهرة، وفي مساء اليوم الذي وَصَل فيه؛ حدَّد موضع القصر الذي سيقيم فيه سيده المعز؛ ولم تكن القاهرة قديمًا لسكنى العامة من الناس، ولم يكن يسمح لأحدٍ بالدخول من أبوابها بدون إذنٍ أو تصريحٍ، حتى إن سفراء الدول الأجنبية كانوا يترجلون عند وصولهم إلى أسوارها، وظلت هكذا حتى نهاية عصر الحاكم المستنصر في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، عندما حَلَّت بالبلاد الأزمات الاقتصادية، واحترقت مدينة الفسطاط، فدخلت العامة مدينة القاهرة وسكنتها.

نقض جوهر لمعاهدة الاستسلام:

الواقع أن جوهر الصقلي أراد أن يفرضَ باسم المعز لدين الفاطمي سلطته الدينية والدنيوية على كافة المصريين، على الرغم مِن تعارضها مع مبدأ التسامح الديني الذي تعهَّد باحترامه؛ فقد أفطر جوهر ورجاله يوم عيد الفطر بغير رؤية، حسب تعاليم المذهب الإسماعيلي الذي يعتمد الحساب في الصوم والإفطار!

كما أقيمت صلاة العيد في مصلى القاهرة بإمامة قاضى العسكر، لكن أهل مصر لم يصلوا معهم، وصلوا من الغد في جامع عمرو بن العاص، واستنكر جوهر هذا الموقف الذي اتخذه القاضي، وهدَّد مَن أعاد فعله، وخاطب المصريين بأن الصوم والفطر على رؤية الهلال قد زالا؛ فانقطع بذلك طلب رؤية الهلال بمصر طوال عهد الفاطميين.

كذلك أحدث التغيير الثاني -الذي عَبَّر عن ترك المذهب السني في مصر- عندما أمر المؤذنين بالأذان بحيَّ على خير العمل، وهو مِن بدع الفاطميين، ثم قطع الخطبة للعباسيين من على منابر مصر، وحذف اسمهم عن السكة، وأحل اسم المعز، وأزال السواد شعار العباسيين.

بناء الجامع الأزهر:

تم بناء الجامع الأزهر بعد بناء القاهرة بتسعة أشهر في جمادى الأول سنة (359هـ - 970م)، وافتُتح للصلاة يوم الجمعة السابع رمضان سنة (361هـ - 972م)، وقد أُنشئَ هذا المسجد ليكون مسجدًا للدولة الفاطمية، ورمزًا لدعوتها المذهبية، وفي عهد الحاكم العزيز بالله تحوَّل الجامع الأزهر إلى جامعة لنشر المذهب الشيعي، حيث قام الوزير يعقوب بن كلس بتعيين عددٍ كبيرٍ مِن الفقهاء، ليقوموا بإلقاء الدروس والمحاضرات المنظمة في فقه الشيعة، وأمرَ الدعاة أن يُحفِظُوا الناس كتاب دعائم الإسلام، وكتاب الوزير: يعقوب بن كلس في الفقه على مذهب آل البيت.

قدوم المعز الفاطمي إلى مصر:

أمام كل هذه الاضطرابات في مصر كَتَب جوهر إلى مولاه المعز يدعوه إلى سرعة القدوم إلى مصر، لا لتسلم البلاد وإنما للدفاع عنها، وكان وصوله إلى القاهرة في رمضان سنة (362هـ - سبتمبر973م)؛ ولمَّا دخل المعزُّ إلى القاهرة احتجب في القصر مدة، وبعث عيونه ينقلون إليه أخبار الناس، ثم ظهر للناس بعد مدَّة، وقد لبس الحرير الأخضر، وجعل على وجهه اليواقيت والجواهر تلمع كالكواكب، وادَّعى أنه كان غائبًا في السماء وأن الله رفعه إليه؛ فامتلأت قلوب العامّة والجهال منه رعبًا وخوفًا.

وبعد انتقال الدولة الفاطمية إلى مصر يتبيَّن: أن الدولة الفاطمية لم تعش في المغرب أكثر من 65 سنة! بينما عاشت في مصر أكثر من مائتي سنة، أي: أن الجزء الأكبر من حياتها عاشته في مصر.

ونكمل في المقال القادم إن شاء الله.