عاجل

تقديم العقل على النقل عند الشيخ محمد عبده رحمه الله (1)

  • 71

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيُعدُّ الشيخ محمد عبده رحمه الله من كبار رجال الأزهر في العصر الحديث، وقد عاش في مرحلة عصيبة من تاريخ مصر، شهدت ثورة عرابي والاحتلال البريطاني لمصر.

تأثر محمد عبده كثيرًا في شبابه بآراء وأفكار شيخه جمال الدين الأفغاني، وساهم في الثورة العرابية، فتعرَّض للنفي، وعاش سنوات النفي بين بيروت وباريس، ثم عاد لمصر وقد استقر على مخالفة منهج شيخه الأفغاني، عازمًا على الإصلاح والتغيير من خلال التعليم، وخاض معارك فكرية عديدة، وأسس من خلال أفكاره وآرائه مدرسة في الإصلاح، تأثر بها كثيرون، وما زالت آثارها ممتدة إلى اليوم.

وُلِد الشيخ في قرية محلة نصر، وهي قرية صغيرة بمديرية التحرير بين دمنهور ومركز شبراخيت، وولد على الأرجح عام 1266هـ، الموافق عام 1849م، مِن أبوين مصريين، والتحق بالجامع الأزهر عام 1866م، وتعرف على الأفغاني بفكره وتعاليمه الثورية، وجذبته قوة شخصيته؛ فلازمه، وتأثر به كثيرًا.

حصل على شهادة العالمية من الأزهر عام 1877م، وعمل بالتدريس؛ فألقى دروسًا في المنطق والكلام والأخلاق، وعمل أستاذًا للتاريخ في مدرسة دار العلوم (كلية دار العلوم حاليًا)، وأستاذًا للأدب في مدرسة الألسن، إلى جانب مواصلته لدروسه في الأزهر، كما اتجه إلى النشاط الصحفي من خلال العمل في جريدة (الوقائع المصرية)، التي كانت أشبه بسجل للأوامر الرسمية للحكومية، وقد تولَّى بعد فترة رئاسة تحريرها.

وقد أيَّد العرابيين في ثورتهم، وبعد سقوط عرابي اتُّهِم محمد عبده بالتآمر مع رجال الثورة، وحُكِم عليه بالسجن لمدة ثلاثة شهور ثم بالنفي ثلاث سنوات؛ فاختار النفي إلى سوريا، ورحل إليها عام 1883م، لكنه سرعان ما انتقل في مستهل عام 1884م إلى باريس؛ تلبية لدعوة شيخه الأفغاني، حيث أسسا معًا جمعية وصحيفة أسبوعية باسم: (العروة الوثقى)، فكانت أول صحيفة عربية في أوروبا.

عاد محمد عبده إلى بيروت عام 1885م، وعهد إليه التدريس في المدرسة السلطانية؛ فألقى دروسًا في علم الكلام، وعاد محمد عبده إلى مصر عام 1888م بعد العفو عنه، وعيِّن قاضيًا بالمحاكم الشرعية ثم مستشارًا في محكمة الاستئناف، وعين في 1899م مفتيًا للديار المصرية، فكانت له بعض الفتاوى التي أثارت جدلًا كثيرًا، ثم عُيِّن عضوًا في مجلس شورى القوانين.

ساهم في تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية لنشر الثقافة، ومد يد العون الأدبي والمادي بين الطبقات الفقيرة والمحرومين، وجعلها وسيلته لتحقيق إصلاح اجتماعي وأخلاقي، كما أسس جمعية (إحياء الكتب العربية القديمة) لنشر روائع المؤلفات العربية القديمة.

ودفاعًا عن الإسلام: كان رده المشهور على (هانوتو) وزير الخارجية الفرنسية، ورده من خلال مقالات له في (المنار) على (فرح أنطون) محرر مجلة الجامعة، وقد جمعت هذه المقالات في كتاب بعنوان: (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية)، وقد تُوفِّي رحمه الله في 11 يوليو 1905م (1323 هـ)، وهو في أوج نشاطه.

اهتمام محمد عبده بالفلسفة والمنطق وعلم الكلام:

منذ تلقي محمد عبده العِلْم وتأثره بأستاذه جمال الدين الأفغاني، انصرف إلى دراسة الفلسفة العقلية، وعلم الكلام، وقد اعتنى حينئذٍ بابن سينا على وجه الخصوص، وتوجد نسخة من كتاب (الإشارات) لابن سينا منسوخة بيد محمد عبده نفسه، وعليها حواشٍ مقتبسة من مصادر فلسفية مختلفة، (وفي تلك المرحلة أيضًا درس محمد عبده الفلسفة الصوفية الإسلامية، ومصنفه الأول: (رسالة الواردات) بداية لبحوثه الميتافيزيقية والصوفية، أما حاشيته على شرح الدواني لكتاب: (العقائد العضدية) للإيجي، فكتاب يدل على المدى البعيد لوقوف محمد عبده على جملة النظرات الفلسفية الإسلامية التقليدية) (راجع في ذلك: "رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده" د. عثمان أمين أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة - ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2015م، ص 60 بتصرفٍ)، وقد كانت حاشيته على شرح الدواني للعقائد العضدية وراء بدء هجوم المشتغلين بالعلم في عصره عليه مبكرا منذ عام 1876 م (راجع المصدر السابق، ص 86).

وكانت دراسة الفلسفة الإسلامية في تلك الفترة قد تراجعت بدرجة كبيرة؛ فعندما التحق محمد عبده بالأزهر عام 1866 م (لم يكن يدرس من كتب المنطق والكلام في الأزهر إلا قليل مِن المصنفات التي أُلِّفت في القرنين: الثالث عشر والرابع عشر بعد الميلاد، وإنما يرجع إحياء الدراسات المنطقية إلى جمال الدين الأفغاني؛ فقد كان أول مَن وجَّه الأنظار في الشرق الإسلامي إلى دراسة المنطق القديم، وكان كذلك أول مَن بذل الجهود لبعث الفلسفة الإسلامية بعثًا جديدًا، فكان لا بد لدراسة تلك الفلسفة من الرجوع إلى أمهات الكتب وعيون المؤلفات الأصيلة؛ فذلك في نظره أفضل من دراستها في الكتب العقيمة، كتب الشروح والحواشي والتقارير؛ ولذلك وجدنا الأفغاني في عام 1875 وقد أقبل بنفسه على تدريس ابن سينا في كتاب من أصعب كتب الفيلسوف، وأغزرها مادة، وهو: كتاب الإشارات) (المصدر السابق، ص 72 بتصرفٍ).

(وفي سنة 1886م وكان محمد عبده منفيًّا في سوريا، عثر على كتاب (البصائر النصيرية) الذي نشره بمصر سنة 1889م. ويُلاحَظ أن التعليقات والإيضاحات التي نشرها مع النص تكشف عن معرفة عميقة بمذاهب المنطق عند الفلاسفة الإسلاميين، ومنطق ابن سينا بوجه خاص) (المصدر السابق، ص 74 بتصرفٍ).

وإنما حرص محمد عبده على نشر كتاب البصائر النصيرية لعمر بن سهلان الساوي؛ لكي يوجِّه عناية الأزهريين إلى دراسة المنطق والاهتمام به (راجع المصدر السابق، ص 60، 74).

تبني محمد عبده لمنهج تقديم العقل على النقل:

تأثَّر محمد عبده بمنهج تقديم العقل على النقل على طريقة المتكلمين والفلاسفة والمناطقة من الأشاعرة وغيرهم، والمراد بالعقل عندهم الأدلة المأخوذة مِن: علم الكلام، والفلسفة، والمنطق، والتي يراها المتكلمة والفلاسفة أنها أدلة عقلية قاطعة تقدَّم على الأدلة النقلية عندما يقع لهم وهم التعارض بين العقل والنقل؛ لذا وجَّه محمد عبده همه في التدريس والتأليف إلى أمرين:

(الأول: تدريس العقائد على أساس البراهين القطعية، وقد تأثَّر بهذه النزعة منذ أن اتصل بجمال الدين الأفغاني.

الثاني: تجديد ما بلي مِن العلوم العقلية، وغيرها من العلوم التي كان ينفر رجال الأزهر من الاشتغال بها أو البحث فيها) (راجع: "لمحات من حياة الإمام محمد عبده" تأليف: عبد المنعم حمادة - ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة - العدد واحد وثلاثون - يوليو 1963م، ص 50 بتصرفٍ).

وتشير إلى ذلك مؤلفاته التي طبعت له، ومنها:

- (رسالة الواردات) - القاهرة ط. 1874م.

- حاشيته على شرح الدواني لكتاب: (العقائد العضدية) للإيجي القاهرة - ط. أولى بالمطبعة الخيرية 1876م.

- (رسالة التوحيد) ط. أولى المطبعة الأميرية ببولاق 1897م.

- شرح كتاب (البصائر النصيرية) في المنطق لعمر بن سهلان الساوي ط. أولى المطبعة الأميرية بولاق 1898م. (راجع في ذلك: "رائد الفكر المصري" د. عثمان أمين، ص 269 - 270).

نموذج لمنهج محمد عبده في الاعتقاد:

ونذكر هنا نصًّا صريحًا واضحًا للشيخ محمد عبده يبيِّن مذهبه في قضية تقديم العقل على النقل، ونتبعه بالرد على بعض ما أورده فيه من الشُّبَه.

قال الشيخ محمد عبده في حاشيته على العقائد العضدية، والذي نقله عنه الزرقاني في كتابه: (مناهل العرفان في علوم القرآن): (فإن قلتَ: إن كلامَ الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم مؤلَّف من الألفاظ العربية ومدلولاتها معلومة لدى أهل اللغة؛ فيجب الأخذ بمدلول اللفظ كائنًا ما كان. قلتُ: حينئذٍ لا يكون ناجيًا إلا طائفة المجسمة الظاهريون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص وترك الاستدلال رأسًا، مع أنه لا يخفى ما في آراء هذ الطائفة من الضلال والإضلال، مع سلوكهم طريقًا ليس يفيد اليقين بوجهٍ، فإن للتخاطبات مناسبات ترد بمطابقاتها، فلا سبيل إلا الاستدلال العقلي، وتأويل ما يفيد بظاهره نقصًا إلى ما يفيد الكمال، وإذا صَحَّ التأويل للبرهان في شيء صح في بقية الأشياء، حيث لا فرق بين برهان وبرهان، ولا لفظ ولفظ.

وقال في قوله تعالى: "ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات": إن الوحي من الله للنبي صلى الله عليه وسلم تنزيلًا ونزالًا ونزولًا؛ لبيان علو مرتبة الربوبية، وليت شعري إذا لم نؤوله بمرتبة الربوبية، فما نريد منه؟ وهل بقي بعد ذلك شيء إلا العلو الحسي الذي يستلزم الجهة والتحيُّز؟

والمتتبع لكلامهم يجد فيه العبارات الصريحة في إثبات الجهة لله تعالى، وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى، وهو واضح؛ لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية ولا يتأتى غير هذا، فإن سمعت منهم سوى ذلك؛ فهو قول متناقض، وكلامهم لا معنى له) (نقلًا من كتاب: (نقض عقائد الأشاعرة في كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن)، تأليف أ. د. توفيق علوان ط. دار بلنسية - الرياض ط. أولى 1422م، ص).

الرد على كلام محمد عبده فيما ذهب إليه من تقديم العقل على النقل:

- قول الشيخ محمد عبده: (حينئذٍ لا يكون ناجيًا إلا الطائفة المجسمة الظاهريون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص، وترك طريق الاستدلال رأسًا، مع أنه لا يخفى ما في آراء هذه الطائفة من الضلال).

 فيقال: لا توجد طائفة من المبتدعة تُسَمَّى طائفة الظاهرية، أما المجسمة المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، فيجعلون للخالق أعضاءً وأطرافًا وهيئة تشبه المخلوقين؛ فهم على ضلالة، ولكن ليس سبب ضلالهم الأخذ بظاهر النصوص على ما يعرفه العرب في كلامهم، ولكن لمخالفتهم ما جاءت به النصوص من أن الله تعالى ليس كمثله شيء، كما في قوله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، فأثبت الله تعالى في الآية لنفسه أنه عز وجل سميع بصير، مع نفيه كونه يشبه المخلوقين في سمعهم وبصرهم.

فلا منافاة بين إثبات الصفات على الوجه اللائق بجلال الله وكماله كما في ظاهر النص، وبين نفي أي مشابهة في ذلك بين الله تعالى وخلقه، وهذا واضح بيِّن غاية البيان في الجمع بين نفي مشابهة المخلوقين، وبين إثبات الصفات كما جاءت في النصوص، وهذا هو مذهب السَّلَف.

وشتان بين مذهب السلف الذي يجمع بين النفي والإثبات، وبين المشبهة والمجسمة الذين يثبتون الصفات ولا ينفون المشابهة، فيجمعون بين الإثبات والتشبيه، (وإن تشبيه السلف بهم؛ لأنهم يثبتون النص الوارد في الكتاب والسنة في صفات الله تعالى على حقيقتها كما جاءت، هو مغالطة وتعنت ومباهتة؛ ذلك أن السلف مع إقرارهم بما أقر الله تعالى حقيقة، نفوا دون خفاء التشبيه عنه كما نفاه سبحانه، ونفوا التمثيل والتكييف. وشتان بين هذا المذهب الراشد الذي كان عليه الصحابة الكرام ومَن تبعهم بإحسانٍ، وبين مذاهب المشبهة المجسمة الذين فاهوا في حق الله تعالى بالقول العظيم، ورتعوا في سكرات ضلالهم في الرتع الوخيم) (راجع (نقض عقائد الأشاعرة في كتاب: "مناهل العرفان في علوم القرآن"، ص 124 بتصرفٍ).

- قول الشيخ محمد عبده: (فلا سبيل إلا الاستدلال العقلي، وتأويل ما يفيد بظاهره نقصًا إلى ما يفيد الكمال).

فيقال: زَعْمُ أن السبيل الوحيد والحق الأوحد هو التأويل؛ فهذا باطل، فالنبي صلى الله عليه لم يقل بالتأويل، (حيث لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أي استدلال عقلي على آيات الصفات، ولو ورد ذلك؛ لعلم وذاع وشاع؛ لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره، فلما لم يعلم تبيَّن أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعله، فكان إيجابه لطريق الاستدلال العقلي في مسائل الصفات اتهام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم الفهم أو الجهل بالطريق الصحيح للفهم عن طريق الاستدلال العقلي، وهو شنيع.

ومثله اتهامه للصحابة بأجمعهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، حيث كانوا هم العرب الفصحاء، ومع تلاوتهم لآيات الصفات ليل نهار، فلم يُعلم عنهم السؤال عما ينبغي أن يُنزَّه الله به عن ظواهر الكتاب والسنة، فلما لم يفعلوا عُلِم أنهم فهموا النص على ظاهره، وعلى ما تقتضيه لغتهم، وعلموا أنه على ما قال الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم.

وإن افتراض سكوتهم عن ذلك مع عدم فهمهم له، هو: اتهام لهم بترك ما يجب في حقهم من تدارس الدين وفهمه وتدبره كما أمروا، وفيه ما هو قريب من اتهامه للنبي صلى الله عليه وسلم بالتقصير في البلاغ، والبيان الذي أمر به) (راجع: "نقض عقائد الأشاعرة"، ص 126 بتصرفٍ).

- قول الشيخ محمد عبده: (يتحتم تأويل ما يفيد بظاهره نقصًا إلى ما يفيد الكمال).

جوابه: أن ظاهرَ النص القرآني بشأن الصفات لا يفيد نقصًا بظاهره بأي وجهٍ مِن الوجوه طالما أن إثباته لائق بجلال الله وكماله، وطالما هناك التنزيه لله تعالى عن التشبه بخلقه بأي وجهٍ من الوجوه، و(لأن العقل البشري ليس معيارًا لتقرير ما هو كامل، ولا ما هو ناقص. وقاعدة الحسن والقبيح العقليين قاعدة موهمة في هذه المسألة)، وعلى هذا مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة (راجع المصدر السابق، ص 128 بتصرفٍ).

ولا يخفى أنه (لو كان هذا الطريق العقلي حتمًا لازمًا لا محيد عنه كما يدَّعي الشيخ لما خالف فيه مسلم، بل ما خالفه عاقل، والواقع يشهد بخلافه؛ حيث عُلِم أن جماهير الأئمة وقادة الدِّين في هذه الأمة وأساطين العلم من السلف أصحاب الحجى والعقول، والأيدي والأبصار المشهود لهم بالهدى والرشاد كلهم على خلافه، يردونه بكلِّ سلاح من الأثر والنظر، ويشنِّعون عليه بأعظم الحجج وأشد البراهين، وكفى بانتصابهم جمعًا واحدًا لدحضه دليلًا واقعًا على زيغه وبطلانه) (المصدر السابق، ص 129 بتصرفٍ).

وللحديث بقية إن شاء الله.