عاجل

المدح لِمَن؟!

  • 70

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتقع تكاليفُ الشرع وأوامر الله سبحانه وتعالى وسطًا بين طرفين مذمومين، هما: الغلو والتساهل، الإفراط والتفريط؛ فقد قال الأوزاعي: "ما من أمرٍ أَمَر الله به، إلا عارَضَه الشيطانُ بخَصْلَتين، لا يُبَالِي أيَّهما أصاب: الغُلُو والتقصير".

وفي هذا المعنى يقول الله سبحانه وتعالى: "وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا"؛ فكلا الطرفين مذمومٌ يجب الابتعاد عنه، والحذر من سبيله.

ومن هنا أقول: نلحظ البخلَ الشديد في الثناء على الضعفاء في حين أننا نلحظ الثناء المبالغ فيه على الأقوياء،

فيحتاج الطالب والمبتدئ والمتعلم كلمة تدفعه إلى الإمام تحفزه وترفعه.

فللمدح والثناء أثرُه البالغُ، ودوره البارز على النفس البشرية، وخاصةً المُتربِّين من النساء والصِّبيان والطُّلَّاب والمتعلمين في التحفيز والتشجيع، ورفع المعنويات، وكسر الحواجز، وجبر الخواطر، وسيطرة المشاعر، وتعزيز القيم، وتقوية الروابط، وبيان المنزلة، واحتواء الخلافات، وحلِّ المشكلات.

غطى الناسَ زمانٌ سلعته الثناء والمديح، ونشأ في نفوسهم حب ذلك؛ العلاقات مبنية على ذلك، والمصالح متبادلة لأجل ذلك، وتقديم المعروف قد رُهِن بذلك، فرحِم الله امرأً زكَّى نفسه، وعلِم ما عنده، فلم يزدْهُ ثناء الناس شيئًا ولم ينقصه ذلك، فإن مالوا إليه بالمديح لم تزهُ نفسه ولم تتكبر، وإن مالوا عليه بالنقص والعيب لم يرعْه ذلك، عرف قيمة نفسه فلم يضره السب، ولم ترفعه المدائح!

روى ابن أبي الدنيا من حديث مطرف بن عبد الله عن أبيه قال: قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر، فقالوا: أنت والدنا، وأنت سيِّدنا، وأنت أفضلنا علينا فضلًا، وأنت أطولنا علينا طولًا، وأنت الجفنة الغرَّاء، وأنت، وأنت، فقال: "قولوا قولكم، ولا يَسْتَهْوِيَنَّكم الشيطان".

ومضة: بيَّن الإمامُ النوويُّ وجْهَ الجمعِ بين نصوص إباحةِ المدح، والنهي عن الإطراء، فقال: "قال العلماء: وطريقُ الجمع بينها: أن النهيَ محمولٌ على المُجازَفة في المدح والزيادة في الأوصاف، أو على مَن يُخافُ عليه فتنةٌ مِن إعجابٍ ونحوه إذا سمِع المدح، وأما مَن لا يُخافُ عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهِه إذا لم يكن فيه مجازفة؛ بل إن كان يحصُلُ بذلك مصلحة كنَشَطِه للخير وازدياده منه، أو الدوام عليه والاقتداء به، كان مستحبًّا، والله أعلم".