عاجل

في رثاء الشيخ حنفي مصطفى رحمه الله

  • 44

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإذا تنوَّعتْ أكدارُ الحياةِ، وتعددتْ أسبابُها؛ فإنَّ فقدَ أهل العلمِ، وغِيابَ ذوي الفضل والمكانة، لَهُوَ منْ أشدِّ هذه الأكدارِ، وأعظمِها وقعًا، وأبلغِها أثرًا.

وإنَّ منْ أشدِّ الأنباءِ تكديرًا، وأعظمِهَا إيلامًا وتأثيرًا: نبأَ وفاةِ الداعية الشيخ حنفي مصطفى رحمه الله تعالى.

- كان الشيخ حنفي رحمَهُ اللهُ مُتَّصِفًا بأحسن الصِّفات وأجملها: مِنْ سلامة الصدر، وحُسن الخُلُق، ولين الجانب، وحُبِّ الإحسان إلى عِبادِ اللهِ؛ ببذل المَعروفِ، والسعي إلى الإصلاح، والإكرام لهم، وكثرةِ التودُّد إليهمْ.

- نشأ الشيخ على طاعة الله في ريعان شبابه، ومات على طاعة الله إن شاء الله؛ وكان آية في الفقه - فلا تفعل شيئًا أمامه؛ حسنًا أو مذمومًا إلا وانهالت عليك الأدلة الشرعية الصحيحة ليدلك على أن الشيء الذي فعلته أمامه مذكورًا في الكتاب أو السنة، وكأنه يؤكِّد لك قول الله تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء".

- ومِن أجمل ما اتصف به الشيخ رحمه الله: أنه كان اجتماعيًّا جدًّا؛ ففي يوم وفاته قبل أن أدخل المسجد للصلاة على الشيخ رحمه الله دخلت المقاهي والمحلات وسألتهم عن الشيخ حنفي: هل تعرفونه؟! فمنهم مَن قال: كان يمزح معي ثم ينصحني بالمحافظة على الصلاة.

وقال آخر -صاحب محل-: كان إذا مرَّ عليَّ ألقى السلام ثم ابتسم.

الابتسامة والتودد إلى الناس صفة لازمة عند الشيخ؛ لذلك كان ناجحًا في دعوته، لا ينتظر الناس حتى يأتونه إلى المسجد، بل هو مَن يذهب إليهم الى أماكنهم، وكان محبوبًا من أقرانه وجيرانه، وجنازته تدل على أن بصمته الدعوية ناجحة.

إن فقد الداعية ليس فقدًا لشخصه ولا لصورته، وليس فقدًا للحمه ودمه، لكنه فقد لجزءٍ مِن ميراث النبوة، وهو العِلْم، وذلك مؤذنٌ بقرب الساعة وفشوِّ الضلالة؛ فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".

الْأَرْضُ تحيَا إِذَا مَا عَاش عَالِمُهَا        مَتَى يمُتْ عَالم مِنْهَا يمُت طَرفُ

كَالْأَرْضِ تحْيَا إِذَا مَا الْغَيْثُ حَل بِهَا     وَإِنْ أَبَى عَاد فِي أكنافهَا التَّلَفُ

اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم مَن أحييته منا؛ فأحيه على الإسلام، ومَن توفيته منا فَتَوَفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده.