عاجل
  • الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (76) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (4)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (76) الإسلام دين إبراهيم خليل الرحمن دون اليهودية والنصرانية والشِّرْك (4)

  • 89

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا . وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: 123-125).

في الآيات الكريمة فوائد:

الأولى: ظَنُّ أهل كلِّ مِلَّة أنهم على الحق، وأنهم سيدخلون الجنة إن وُجِدت آخرة؛ لا يغني عن أصحابه شيئًا، فهي أماني الباطل، وليس الدِّين بالتمني ولا بالتحلي، والانتسِاب الباطل إلى الأنبياء، وإلى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم خصوصًا، ودعوى الدِّين الإبراهيمي الذي يتساوى فيه اليهود والنصارى والمسلمون، ولكن الإيمان والدِّين هو ما وَقَر في القلب وصَدَّقه العمل، كما قال الحسن البصري رحمه الله: "ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وَقَر في القلب وصَدَّقه العمل، إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حَسَنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله تعالى! وكَذَبوا؛ ‌لو ‌أحسنوا ‌الظن ‌لأحسنوا ‌العمل".

الفائدة الثانية: وجود هذه الأماني الباطلة لدى المشركين وأهل الكتاب مِن أوضح الأدلة في الردِّ على مَن يزعم أن الكفرَ يلزم فيه المعاندة، بعد معرفة الحق في باطن الإنسان، وأن مَن أخطأ الاجتهادَ في أصلِ الدِّين ولو كَذَّب اللهَ وسولَه وأشرك بالله، بل ولو ألحد، لكن باجتهاده كان ناجيًا عند الله وإن كَذَّب الرُّسُلَ والكُتُب! كما يقوله طائفة مِن زنادقة زماننا؛ فيقولون بأن نسبية الحق مطلقة، بمعنى أن كلَّ إنسان يرى نفسه على الحق، فهذا هو الحق عنده، وعند غيره من الناس شيء آخر؛ فهو حق أيضًا!

فالحق عندهم متعدد، والملل كلها صواب، وكلُّ مَن تمسَّك بكلِّ ما هو عليه كان ناجيًا داخلًا الجنة، وهذا المذهب في حقيقته كفر وتكذيب للقرآن وللرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية وغيرها ترد عليهم؛ فالمشركون وأهل الكتاب يمنون أنفسهم بالجنة، والمشركون وإن لم يؤمنوا بالآخرة فهم يمنون أنفسهم بأنهم أهل الحق، لا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فكذَّبهم الله، فقال لهم ولأهل الكتاب: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ‌وَلَا ‌أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) إلى قوله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا).

قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله: "وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد: مِن أنه عُني بقوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ)، مشركي قريش.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن المسلمين لم يجرِ لأمانيهم ذكر فيما مَضَى مِن الآي قبل قوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ)، وإنما جَرَى ذكر أمانيِّ نصيب الشيطان المفروضِ، وذلك في قوله: (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلِآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ) (النساء:119)، وقوله: (عِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ) (النساء:120)، فإلحاق معنى قوله جل ثناؤه: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) بما قد جَرَى ذِكْرُه قَبْلُ، أحقُّ وأولى مِن ادِّعاء تأويلٍ فيه (قلتُ: يعني أن ذلك في مجادلة بين المسلمين وأهل الكتاب) لا دلالةَ عليه مِن ظاهر التنـزيل، ولا أَثَرَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إجماع من أهل التأويل.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذًا: ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه، التي يمنيكموها وليُّكم عدوُّ الله مِن إنقاذكم ممَّن أرادكم بسوءٍ، ونصرتكم عليه وإظفاركم به، ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارًا بالله وبحلمه عنهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، ولَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاءَ عمله، مَن يعمل منكم سوءًا، أو مِن غيركم (يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا).

ومما يدلُّ أيضًا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) مشركو العرب، كما قال مجاهد: إن اللهَ وَصَف وَعْدَ الشيطانِ ما وَعَدَ أولياءهُ، وأخبَر بحال وَعْدِه، ثم أتبع ذلك بصفة وعدِه الصادق سبحانه بقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا)، وقد ذَكَر -جل ثناؤه- مع وصفِه وَعْدَ الشيطان أولياءه، وَتَمْنِيَتِهِ إياهم الأمانيّ بقوله: (يَعْدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ)، كما ذكر وَعْدَه إياهم؛ فالذي هو أشبهُ: أن يُتبعَ تمنيتَه إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عِدته إياهم به من الصفة.

وإذ كان ذلك كذلك، صَحَّ أن قوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) الآية، إنما هو خبرٌ مِن الله عن أماني أولياء الشيطان، وما إليه صائرة أمانيهم مع سيئ أعمالهم مِن سوء الجزاء، وما إليه صائرةٌ أعمال أولياء الله مِن حُسْن الجزاء، وإنما ضمَّ جل ثناؤه أهلَ الكتاب إلى المشركين في قوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)؛ لأن أماني الفريقين مِن تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يُمَنِّيهُمُوهَا بقوله: (وَلَأُضِلَنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ)".

وقال رحمه الله في قوله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا): "هذا قضاءٌ مِن الله جل ثناؤه للإسلام وأهله بالفضل على سائر الملل غيره وأهلِها، يقول الله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا) أيها الناس، وأصوبُ طريقًا، وأهدى سبيلًا (مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ)، يقول: ممَّن استسلم وجهُه لله؛ فانقاد له بالطاعة، مصدِّقًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما جاء به مِن عند ربه" وهو محسن"، يعني: وهو عاملٌ بما أمره به ربه، محرِّم حرامه ومحلِّل حلاله، (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، يعني بذلك: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن، وأمر به بنيه مِن بعده وأوصاهم به، (حَنِيفًا) يعني: مستقيمًا على منهاجه وسبيله.

وقال تعالى مبيِّنًا بطلان مذهب تعدد الحق لتعدد الأديان والملل: (‌وَيَوْمَ ‌يُحْشَرُ ‌أَعْدَاءُ ‌اللَّهِ ‌إِلَى ‌النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ . وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (فصلت:19-23)،  فقد ظنوا بربهم ظنًّا فاسدًا أهلكهم وهم يحسبون أنفسهم على الحق، وهم أعداء الله وهم يظنون أنفسهم أولياءه!

وقال تعالى: (‌قُلْ ‌هَلْ ‌نُنَبِّئُكُمْ ‌بِالْأَخْسَرِينَ ‌أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) (الكهف:103-105).

قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "هم اليهود والنصارى؛ فأما اليهود فكفروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة فقالوا: لا طعام فيها ولا شراب" (رواه البخاري في صحيحه).

فدلَّت الآيات على أن مَن ضَلَّ وهو يحسب أنه يحسن صُنْعًا بإعراضه عن آيات الله، وتكذيبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقاده الفاسد في الآخرة؛ فهو أخسر الناس عملًا، ولا ينفعه ظنه أو تقليده أو اجتهاده في مخالفة رُسُل الله عز وجل، وقال تعالى: (‌إِنَّ ‌اللَّهَ ‌لَعَنَ ‌الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا . خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا . وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (الأحزاب: 64-68)، فقد ضلوا بإضلال السادة والكبراء لهم؛ فلم ينفعهم تقليدهم، وظنهم أنهم على الحق.

وقال تعالى: (‌وَلَوْ ‌تَرَى ‌إِذِ ‌الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ . وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) (سبأ: 31-33) الآية؛ فقد دلَّت الآية على أن تقليدهم لكبارهم المستكبرين في الأرض لا ينفعهم، وظنهم الباطل لا يغني عنهم شيئًا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ‌لَا ‌يَسْمَعُ ‌بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‌يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم)، فدل هذا الحديث على أن بلوغَ خبرِ النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، ودعوته إلى التوحيد؛ كافٍ في قيام الحجة على اليهود والنصارى؛ فضلًا عن غيرهم.

وكل هذه الأدلة تدل على أن الحق واحدٌ، وأن دين الإسلام دين محمد صلى الله عليه وسلم، ودين إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم؛ فلا أحسن مِن هذا الدِّين، ولا يقبل مِن أحدٍ غيره، كما قال تعالى: (‌وَمَنْ ‌يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85)، وقال تعالى: (‌إِنَّ ‌الدِّينَ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19).

قال ابن قدامة رحمه الله في روضة الناظر -في الكلام على مسألة كلَّ مجتهدٍ مصيب، وزعم الزاعم: أن مخالفة ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن الحق؛ فهو معذور غير آثم، وهو مذهب الجاحظ-: "وأما الذي ذهب إليه الجاحظ؛ فباطل يقينًا، وكفر بالله تعالى ورد عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنا نعلم قطعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ اليهودَ والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم، ونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم، ونعلمُ أن المعاندَ العارفَ مما يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا ولم يعرفوا معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه" (انتهى من روضة الناظر). وهو يقصد أنهم لم يعرفوا ذلك؛ لأنهم أعرضوا عنه بعد أن بلغهم.

ومن الأدلة على ذلك:

قول الله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ‌ذَلِكَ ‌ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (ص: 27)، وقال عز وجل: (‌وَمِنْهُمْ ‌أُمِّيُّونَ ‌لَا ‌يَعْلَمُونَ ‌الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (البقرة: 78)، أي: فلم ينفعهم ظنهم ذلك.

وقال سبحانه وتعالى: (وَيَحْسَبُونَ ‌أَنَّهُمْ ‌عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (المجادلة: 18)؛ فدلَّت الآية الكريمة على أن حسبان المنافقين بحلفهم أنهم على شيء لم يجعلهم على شيء.

وهذه القضية قضية مقطوع بها عند أهل الإسلام؛ في أن الدِّين واحدٌ، والحق واحد لا يتعدد؛ هو ما بُعِث به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وللحديث بقية إن شاء الله.