عاجل

معضلات الطب والسلم المجتمعي

  • 30

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فظاهرة عجيبة وغريبة تلك الحالة العدائية التي تظهر بين الحين والآخر تجاه الأطباء، فتطفو على السطح أحيانًا وتخبو أحيانًا، لكنها موجودة ومتكررة؛ تجدها في منشورات وتعليقات على شبكات التواصل، وتجدها في الواقع عند أي احتكاك في المؤسسات الصحية المتنوعة، وتزداد مع أي واقعة أو قصة لمشكلة يكون أحد أطرافها طبيبًا!

نعم، التعميم لن يكون واقعيًّا، لكنها بلا شك ظاهرة موجودة وبنسبة ليست بالقليلة، فما الذي غير تلك العلاقة من محبة واحترام مجتمعي إلى شيء من التربص والعداء، ولو من البعض وليس الكل؟ وفي تلك السطور القليلة لا يمكنني التفصيل في هذا الأمر الكبير، لكن أشير إلى جانبٍ منه، والقصد هو النصيحة.

في علاقة المجتمع بالطبيب خصوصًا، والمنظومة الصحية عمومًا هناك عِدَّة معضلات:

المعضلة الأولى: أن الطبيب هو الواجهة الأولى التي تقدِّم الخدمة، وبالتالي فأي عيب في الخدمة يتم إلقاؤه مباشرة على الطبيب!

وعندما لا يجد المريض مجرد حقنة مسكنة أو سرنجة أو خيط جراحي، أو لا يجد دواءً معينًا؛ فهذه في الحقيقة ليست مشكلة الطبيب، لكن سيبقى أنه هو مَن يقدِّم الخدمة.

أيضًا مشكلة طابور الانتظار، المريض الذي لا يقبل الانتظار بتاتًا، نعم قد يتأخر الطبيب عن المريض نتيجة قصور وخطأ، لكن في أحيان كثيرة يكون هذا هو أفضل المتاح في ظل تلك المنظومة.

نعم أتفهم عدم صبر المريض -وكلنا بشر نمرض ونشعر بتلك المشاعر-، لكن في بعض الدول المتقدمة الانتظار يكون بالشهور حتى تقابل طبيبًا في تخصص عادي، وحتى لو كان الأمر طارئًا قد تجلس بالساعات، وأكثر لعمل إجراء يسير جدًّا!

وفي الحقيقة في هذه النقطة تحديدًا في مصر نحن لا يكاد يوجد عندنا طوابير انتظار في استقبال الطوارئ مقارنة بالكثير من الدول المتقدمة، وإن كان عندنا مشاكل أخرى أكبر بكثير؛ فهذا الأمر يحتاج الى تثقيف وتعليم، ومعرفة طبيعة الخدمة الصحية في العالم.

هذا العيب -أعني أن الطبيب هو مقدم الخدمة وبالتالي يتحمل كل مشكلات المنظومة- موجود في عددٍ مِن الوظائف الخدمية، مثل: الخدمات التعليمية والاجتماعية، وكذلك بعض موظفي الشباك في عددٍ مِن المصالح الحكومية الذين هم في الحقيقة ضحية ضعف المنظومة الخدمية ككل، لكن لأنه هو الواجهة التي تقدِّم الخدمة يتعرض هو للاحتكاك المباشر بالمريض أو بالعميل أو بالمواطن.

والمواطن يوجِّه له اللائمة بينما في الحقيقة هذا مجرد واجهة لتقديم الخدمة وليس هو مقدم الخدمة الحقيقي، بل هو الحلقة الأخيرة في سلسلة من العمليات المتوالية.

فهذه أولى المعضلات: أن الطبيب يتحمل ضريبة كل مشكلات وعيوب وقصور المنظومة، أو على الأقل لا يجد المريض أمامه مَن يخرج فيه ما بداخله مِن غضب إلا الطبيب.

المعضلة الثانية -وهي زائدة على أي مهنة أخرى-: ارتفاع سقف الطموحات من المهنة الطبية عن طريق رسم صورة مثالية حالمة ملائكية عن مهنة الطب.

فالمريض يبني عددًا من الافتراضات انطلاقًا من كونها مهنة سامية إنسانية -وبلا شك هذا جانب سليم وجميل وحقيقي، وموجود عند عدد كبير جدًّا من الأطباء-، لكن سيبقى أنها أيضًا مهنة لكسب الرزق، وهذا الرجل وراءه أسرة ومتطلبات يفرضها عليه المجتمع نفسه وظروف عائلته التي تعبت في تربيته، وتنتظر منه الكثير؛ مما يجعل الطبيب في الحقيقة بين المطرقة والسندان.

عمومًا هذا الأمر فيه إشكال في كل الدول، لكن عندنا جمعنا عِدَّة مشكلات:

- مشكلات المنظومات الخدمية عمومًا.

- ومشكلات المهنة الطبية خصوصًا، والمشتركة على مستوى العالم.

- ومشكلات خاصة ببلادنا؛ بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.

ثم يأتي دور المعضلة الثالثة: وهي التأجيج والتحريض الإعلامي، والذي في الحقيقة يؤدي بشكل مباشر إلى التأثير السلبي على السلم المجتمعي، نعم أتفهم أنه قد توجد بعض الأغراض للبعض وراء تأجيج الغضب تجاه الطبيب كمثال بحيث يكون هو مَن يدفع الضريبة بدل البحث عن جذور عيوب المنظومة الصحية وعلاجها، كما يتم تمامًا مع كمسري القطار أو مع عامل التحويلة أو مع مدرس الصف، إلخ، الذي قد يدفع ضريبة منظومة متهالكة تمامًا.

نعم أتفهم وجود ذلك، لكن ما أريد أن ألفت النظر له أنه في الحقيقة حتى لو حقق هذا الشيء مكسبًا عاجلًا؛ إلا أنه خطر على بناء الدولة وعلى السلم المجتمعي على مدى ليس ببعيد.

لذا فمن المعضلات أيضًا -وهي المعضلة الرابعة-: أن هذا الأمر -وهو تحسين علاقة المجتمع بالطبيب والقضاء على تلك الظاهرة العدائية بين عموم الناس- بنسبة كبيرة -من جهة والأطباء والمنظومة الطبية من جهة أخرى- يحتاج إلى تدخل مِن الدولة، فإذا لم توجد إرادة سياسية لهذا يصعب جدًّا تحقيقه، وستظل الفجوة، وهذه الفجوة ليست في صالح الطبيب، ولا في صالح المريض، ولا في صالح المجتمع، وفي الحقيقة هذا يحتاج إلى توجه إعلامي شامل، وإحداث حالة مقابلة لما هو الواقع الآن.

والدولة عندما أرادت أن تصنع هذا مع الشرطة أو مع غيرها استطاعت أن تؤثر في الوعي العام ولو بنسبة، وإن كان الإعلام الرسمي فَقَد جزءًا كبيرًا من قيمته، لكن لا يزال له تأثير على طبقة وشريحة من المجتمع.

وأيضًا عندما أتكلم عن جهود الدولة فأنا أتكلم عن تكاتف الدولة بما يعني أو ما يشمل الإعلام الرسمي وغير الرسمي، وحتى الإعلام الممول من رجال الأعمال، إلخ.

لابد من توجيه رسائل عامة لتفكيك تلك المشكلة، والتفريق بين الطبيب السيئ كحالة فردية ومشاكل المنظومة كوضع قائم يحتاج لعلاج.

فالسلم المجتمعي وترك النزاع والاحتراب داخل المجتمع من أولى الأولويات في بناء المجتمعات والأمم والحضارات، وليس من قبيل المصادفة أن أول ما سمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: "أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام"، فكانت تلك التوجيهات الأربعة من أساسيات بناء الدولة الإسلامية، ومنها ثلاثة توجيهات تدعم السلم المجتمعي والترابط الداخلي، وتعززه وتقويه.

وكما قال مالك بن نبي: "إن العلاقات الداخلية السلمية هي نقطة الانطلاق في تاريخ المسلمين، وتدهورها هو مؤشر السقوط والانحطاط".