تمام القدوة بحسن الأسوة

  • 45

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالتأسي من الفِطْرَة التي فَطَر اللهُ الناسَ عليها؛ ولهذا تجدُ أكثر الناس يتأسون ببعضهم ويحاولون تقليد غيرهم، وخير مَن يُتأسَّى به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس، وفي كرمة ووفائه، وسعة صدرة، وقد قَسَّم العلماء أعمال النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبلية وشرعية، وقد ذكر ربنا تبارك وتعالى في أكثر من آية في كتابه هذا المعنى، كما قال عز وجل: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا"، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما ذكر ثمانية عشر نبيًّا في سياقٍ واحدٍ: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدِه".

وسُئِل سفيان الثوري والإمام أحمد رحمهما الله عن التأسي فقالا: "عليك بمن مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمَن عليه الفتنة".

كل هذا يدلنا على أن التأسي خُلُقٌ خَلَق اللهُ عز وجل الناسَ عليه؛ فانظر بمَن تتأسَّى؛ أبالذي استخرج الله عز وجل مِن قلبه مضغة الشيطان؛ فليس للشيطان في قلبه حظٌّ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم أم بمَن دونه؟!

لكن مَن الذي يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

لا يتأسى به إلا رجلان: الأول: لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. الثاني: وذكر الله كثيرًا، كما قال الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا"؛ فقد جعل الله تبارك وتعالى من رسول الله الأسوة والقدوة ليحتذي به الخلق في أقواله وأفعاله، وجميع ما جاء به صلى الله عليه وسلم.

قال ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "مَن كان متأسيًا؛ فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا؛ قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".

إِذا أَعْــجَـبَـتْـكَ خِـصـالُ امْـرِئٍ           فَـكُـنْهُ يَـكُـنْ مِـنْـكَ مَا يُعْـجـِبُـكْ

فَليسَ عَلى المَجْدِ وَالمَكْرُماتِ            حِــجــابٌ إِذا جِــئْتَهُ يَـحْـجُـبُـك

فوائد استشعار عظمة النبي صلى الله عليه وسلم:

- الفائدة الأولى: المحبة والإجلال؛ فإنك لن تعرف شخصًا وتدرك عظمته، وتعرف علمه، وتلم بجوانب سماحته وخُلُقِه وفضله؛ إلا غُرِسَت في قلبك محبته، ومالت نفسك إليه.

- الفائدة الثانية -وهي مهمة-: سُئِلَتْ عائِشةُ عن خُلُقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَتْ: "كان خُلُقُه القُرآنَ"، فكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم المثلَ الأعلى في الأخلاقِ الحَميدةِ، وقد تحدَّثَ القرآنُ عن خُلقِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ووصَفَه بالعظَمةِ؛ قال الله عز وجل: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، وهذا إقرارٌ لِمَا تقدَّمَ مِن بيانِ خُلقِه.

وفي هذا الحديثِ:

- بيانُ عَظمةِ خُلقِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّها كانتْ في المكانةِ الأسْمى.

- وفيه: أنَّ القرآنَ مصدرٌ لكُلِّ الأخلاقِ الكريمةِ.

- وفيه: الإشارةٌ إلى الحثِّ على التأدُّبِ بآدابِ القرآنِ والتخلُّقِ بأخلاقِه، والاهتداءِ بهَدْيِه، والعملِ بأوامرِه والانتهاءِ عن نواهيه، "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ".

مِن وسائل التربية: (التربية بالقدوة الصالحة):

القدوة في التربية هي أفضل الوسائل جميعًا، وأقربها للنجاح؛ ولذلك بَعَث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم ليكون قدوة للناس، ووضع في شخصه الصورة الكاملة للمنهج الإسلامي؛ الصورة الحية الخالدة على مدار التاريخ، ولذلك كانت إجابة عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القرآن" إجابة عجيبة ومختصرة وشاملة؛ أي: كان الترجمة الحية لروح القرآن وحقائقه وتوجيهاته.

وتأثير القدوة ينتقِل إلى المقتدي على أشكالٍ، أهمها:

1ـ التأثير العفوي غير المقصود: وهنا يقوم تأثير القدوة على مدى اتصافه بصفات تدفع الآخرين إلى تقليده: كتفوقه بالعلم، أو الرئاسة، أو الإخلاص، وفي هذه الحال يكون تأثير القدوة عفويًّا غير مقصود.

2ـ التأثير المقصود: فيقرأ العلم قراءة نموذجية ليقلده الطلاب، ويجوِّد الإمام صلاته ليعلم الناس الصلاة الكاملة، ويتقدَّم القائد أمام الصفوف في الجهاد ليثبت الشجاعة والتضحية والإقدام في نفوس الجند، وهكذا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذوا عني مناسككم"، ومعناه: معناه وجوب اقتداء الحاج بالنبي صلى الله عليه وسلم في أعمال الحج بأن يتعلَّم أفعالَ الرسول صلى الله عليه وسلم التي فعلها في الحج وأقواله، ويقتدي به في ذلك؛ يعني تعلموا مني أحكام حجكم وعمرتكم؛ فافعلوا مثل ما أفعل.

المعلم قدوة:

القدوة أمرها أيضًا عظيم، وواضح وواسع، ونعني بها: القدوة في المجالات كلها؛ القدوة في الناحية العلمية، والقدوة في الناحية السلوكية، والقدوة في الناحية الفكرية، والقدوة في الناحية المظهرية؛ فمسألة القدوة في المدرسين مسألة مهمه جدًّا؛ لأن أعين الطلاب معقودة بمعلمهم ومدرسهم، خاصة في سن الصغر في المرحلة الابتدائية والإعدادية وحتى الثانوية، فإذا كان المدرس جيدًا فإن الطلاب لا يرون إلا معلمهم ومدرسهم، وبذلك يتبيَّن أن تأثير القدوة في هذا الجانب عظيم جدًّا.

الأب قدوة:

لا تظن أن ولدك أعمى! ولدك ينظر إليك مثل الكاميرا المسجَّلة؛ فقد تفعل الفعل ولا تنظر إليه، ولا تأبه له؛ فيأخذ الولد منه الأسوة والقدوة.

وينشَأُ ناشئُ الفتيانِ منا                   على ما كان عوَّدَه أبوه

الأم قدوة:

إننا في مجتمع نفتقر إلى المرأة القدوة، فكان لزامًا علينا أن نقوم بإعداد المرأة القدوة وإيجادها، وذلك لما يترتَّب على ذلك مِن المصالح والمنافع؛ ولأن ذلك من أعظم أسباب القوة والالتزام والحشمة والعطاء في المجتمع، وهناك معالم تتعلَّق بوجود المرأة القدوة، منها: أهمية وجودها في تماسك المجتمع وصلاحه، وتأثير المرأة القدوة على بنات جنسها، ومعرفتها بأحوالهن أكثر مِن غيرها، والحاجة ماسه لوجودها.

إن وجود المرأة القدوة من أعظم أسباب القوة والالتزام والعطاء في المجتمع المسلم؛ وذلك لأن وجود المرأة القدوة يعني وجود البنت الصالحة، والزوجة الصالحة، والأم المربية، وبالتالي: وجود الأسرة الناجحة، والذرية الصالحة، والمجتمع المسلم المنشود.

والحمد لله رب العالمين.