ذكر التقوى ومشتقاتها في سورة مريم (1)

  • 59

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فسورة مريم من السور المكية بالإجماع كما ذكر ذلك القرطبي رحمه الله، وهي مِن السور التي اهتمت بتقرير وحدانيته سبحانه وبحمده، وتنزيهه عن الصاحبة والولد، وعن سعة رحمته ومنته على عباده؛ لا سيما أصفيائه من خلقه، الأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ويليهم عباده الموحدين المهتدين المصطفين.

وتحدثت أيضًا عن قصة خلق المسيح عيسى عليه السلام، وعن بشريته وعبوديته لربه تعالى، وعن جزاء المتقين وجزاء الظالمين، وعدد آياتها تِسْعُونَ وَثَمَانِ آية، وبالرغم من ذلك فقد كثر ذكر تقوى الله ومشتقاتها في هذه السورة المباركة.

والتقوى هي أن تجعل بين وبين عقاب الله وقاية بأداء ما افترض واجتناب ما نهى عنه، ولعظم أمر التقوى كان يدعو بها صلى الله عليه وسلم، فيقول: "اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها"، وكلما كان العبد أكثر تقوى لربه سبحانه وبحمده كان أكثر منزلة و قدرًا عند ربه سبحانه وبحمده كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

وللتقوى فضائل كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، ولكن بها يحصل للعبد الفوز والفلاح، والتوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة، ومن أول الآيات ذكرًا للتقوي في سورة مريم هي قوله سبحانه وبحمده في وصف يحيى بن زكريا عليه السلام: "وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا"، فمدحه بكثرة تقواه عليه السلام بقوله: "وكان تقيًّا"، ولم يقل: "وتقيًّا" قال ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير: "وجيء في وصفه بالتقوى بفعل (كَانَ تَقِيًّا)؛ للدلالة على تمكنه من الوصف".

فلا يكمل ولا يجمل أحدٌ إلا بتقوى الله تعالى، بل على الحقيقة جميل الصفات مِن الرحمة وطهارة النفس، أثر مِن آثار تقوى الله عز وجل.

والآية الثانية هي قول مريم عليها السلام لجبريل عليه السلام لما رأته وهي في عزلتها تتعبد لربها، فلما رأته في هيئة بشر معتدل الخلقة، حسن الهيئة خافت على نفسها منه أن يصيبها بسوء، فقالت له: "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا"، قال ابن عاشور رحمه الله وقولها: "إن كُنتَ تَقيًّا" تذكير له بالموعظة بأن عليه أن يتّقي ربَّه، ومجيء هذا التذكير بصيغة الشرط المؤذن بالشك في تقواه قُصِد لتهييج خشيته، وكذلك اجتلاب فعل الكون الدال على كون التَّقوى مستقرة فيه، وهذا أبلغ وعظٍ وتذكيرٍ وحثّ على العمل بتقواه".

وفي هذا دليل على ما استقر في نفسها الكريمة عليها السلام مِن أثر التقوى في منع وزجر صاحبها من معصية الله تعالى، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ لذلك فالله سبحانه وبحمده، الغفور الشكور، جعل أهل التقوى مِن ورثة جنة النعيم، فقال سبحانه وبحمده: "تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا"، فأتى بقوله: "تِلْكَ الجَنَّةُ" بِأداةِ البُعْدِ؛ لِعُلُوِّ قَدْرِها وعِظَم أمرها كما ذكره البقاعي رحمه الله.

وقوله تعالى: "الَّتِي نُورِثُ"، قال البيضاوي رحمه الله: "نُبْقِيها عَلَيْهِمْ مِن ثَمَرَةِ تَقْواهم كَما يُبْقى عَلى الوارِثِ مالُ مُورِثِهِ، والوِراثَةُ أقْوى لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ في التَّمَلُّكِ والِاسْتِحْقاقِ، مِن حَيْثُ إنَّها لا تَعْقُبُ بِفَسْخٍ ولا اسْتِرْجاعٍ، ولا تَبْطُلُ بِرَدٍّ ولا إسْقاطٍ. وقِيلَ: يُورَّثُ المُتَّقُونَ مِنَ الجَنَّةِ المَساكِنَ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ النّارِ لَوْ أطاعُوا زِيادَةً في كَرامَتِهِمْ".

وفي قوله سبحانه وبحمده: "مِن عِبَادِنا" أنه سبحانه وبحمده نسبهم لنفسه الكريمة تشريفًا وتعظيمًا لهم، ووصفهم بالعبودية التي هي أجل وأعظم الصفات، وفيها أيضًا أن ما هم فيه من التقوى والعبودية لله؛ لأن الله تعالى أخلصهم لنفسه ولعبوديته؛ فأخلصوا له واتقوا سخطه؛ فلولاه ما عبدوه ولا اتقوه، فله الفضل وله النعمة، وله الثناء الحسن. والله أعلم.

وللحديث بقية إن شاء الله.