• الرئيسية
  • المقالات
  • قِيَم ومبادئ إنسانية عامة لتنظيم الحياة بلا انحرافٍ أو اعوجاج (1) رسالة الإسلام للإنسانية

قِيَم ومبادئ إنسانية عامة لتنظيم الحياة بلا انحرافٍ أو اعوجاج (1) رسالة الإسلام للإنسانية

  • 37

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنحن نعيش سويًّا في مجتمع يجمعنا، وثَمَّ علاقات لا بد أن تتم بين أفراد المجتمع؛ فعلينا أن نسعى إلى الاجتماع والائتلاف والترابط، وأن نسعى في المقابل لنبذ الفرقة والاختلاف.

نريد أن نعيش سويًّا ونحيا في أمن وأمان، أن أأمن على نفسي وعلى مالي، وعلى بدني وعرضي، أأمن على أولادي وعلى أهلي؛ فلا بد أن نتفق أولًا على قِيَم وقواعد نعتمدها جميعًا في حياتنا، وهي قيم وقواعد لا تصادم الفطرة السليمة والعقول الصحيحة.

فكلنا لا يختلف أن الصدق قيمة مهمة في حياتنا، ولا نجد مَن يأباها إلا أصحاب الأمراض والشهوات، ولا نختلف أن الكذب قيمة منكرة تأباها الفطرة السليمة والعقول الصحيحة.

فما القِيَم والقواعد التي نعتمدها كأفراد نتربَّى عليها ونتعامل من خلالها، وكذلك ما القيم والقواعد المجتمعية حتى نصل إلى مجتمع متماسك مترابط لا مجال فيه للبغضاء أو الشحناء، أو التدابر أو الغش، أو الحقد والحسد، وغيرها من القيم التي تأباها الفطر السليمة، وكذلك تأباها العقول الصحيحة، ولا بد كذلك مِن الاتفاق على أسس وقواعد يعاقب مِن خلالها مَن أخل بهذه القيم أو يسعى جاهدًا للإخلال بهذه القيم، فجميعًا لا نسمح له بذلك حتى لا يُخرِّب المجتمع ولا يُحدث خلخلة أو زعزعة في استقراره الداخلي والخارجي.

ولا بد من الاتفاق على سلطان يقوى على المحافظة على الأفراد والمجتمع، وعلى عقوبة كل مَن سعى محاولًا لهدم أو تفتيت المجتمع، وأن هذا السلطان لا بد أن يتسم بالحكمة والحلم، والعلم والقوة والقدرة، نخاف منه وهو لا يخاف من أحد.

فتطبيق هذه القيم والحفاظ عليها وصيانتها دون مساس حيث لا يسمح لا لفرد أو مجتمع أن يخل بهذه القيم؛ وإلا كان نتاج ذلك الفوضى بكلِّ معناها وشمولها، فنحن نحتاج إلى قوة تحمي هذه القيم وتعاقب أي مخالف لها.

فما الذي نريده في هذه القوة؟

قوة قادرة على إنزال العقوبة على المخالف دون خوف من أحد أو من بطشه، وفي نفس الوقت قوة تتسم بالعدل والحكمة والعلم، قوة غير عاجزة مع حلمها ورحمتها قوة لا تغيب في أي وقت، بل حاضرة دومًا غير غائبة، ولها علم بعواقب الأمور، ولا بد أن تكون هذه القوة تسمع ولا تنشغل بسمع عن سمع ولا بلغة عن لغة ولا بلهجة عن لهجة، قوة باصرة لا يخفى عليها شيء سواء كان بليل أو نهار، قوة تُعرف بالعفو والصفح، وأن يكون العفو أحب إليها من العقوبة، فإذا بحثنا ما هذه القوة، ومَن الذي يتصف بهذه الصفات التي يعجز أن نراها في إنسان؛ فلن نجد إلا الخالق عز وجل.

فلنتفق جميعًا على أهمِّ هذه القيم الإنسانية، وهي وجود خالق نتوجه إليه بأفعالنا، وله الحق في حساب كلِّ مَن يخالف لعدله وحكمته، وعدم ظلمه لأحدٍ؛ لسعة علمه، وقوته وقدرته، مع رحمته وحلمه، وعفوه وصفحه، فيلزمنا جميعًا عند ذلك أن نقول: "رضينا بالله ربًّا".

1- العبودية لله وحده لا شريك له: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ"، وهذا هو النداء الأول بترتيب المصحف (أول نداء للإنسانية)؛ حيث نادى الله على جميع خلقه بلا استثناء أن يتوجَّهوا إلى عبادة ربهم الذي خلقهم وتكفل بأرزاقهم؛ هذا النداء للإنسانية جمعاء ليس لطائفةٍ دون أخرى، أو إقليم دون إقليم آخر، نداء لكل إنسان دب بالحياة على الأرض في أي زمان وفي أي مكان.

فإن قلنا: لماذا لا تُصرف العبودية لغير الله؟

قلنا: لأن الله هو "الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ"، فالله سبحانه متفرد بالخلق والإيجاد، ومتفرد برزق جميع مخلوقاته؛ فغيره مخلوق ومرزوق؛ فلا يشابهه في ذلك أحدٌ ولا يماثله، فتفرده بهاتين الصفتين (الخلق والرزق) تجعله متفردًا بالعبادة دون سواه.

ونقول: هل مِن خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟! "فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"، فالعبودية لله وحده أهم قيمة لقيام المجتمع الإنساني؛ فكل الإنسانية لها إله واحد وليست آلهة متعددة متفرقة.

وإليكم وصف الإله الذي نعبده الذي انفرد بهذه الأوصاف، فلا نجد ندًّا له ولا نظيـرًا، ولا شبيهًا له ولا مثيلًا: "وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ".

أأله مع الله فعل ذلك أو ساعده وعاونه؟! "هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه"، "خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ . وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ . هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ . وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ . وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ . أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ . إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ . لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ".

أإله مع الله فعل ذلك أو عاونه أو ساعده؟!

ما لكم كيف تحكمون؟! "وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ".

2- التنزه عن الحرام والخبائث: فلا نطعم إلا الحلال الطيب، فمقومات الحياة: طلب الحلال الطيب، ورفض الخبيث المحرم، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ".

فربكم الخالق الرازق أحلَّ لنا الطيبات (فباب الحلال واسع وباب الحرام ضيق)، وأمر الله تعالى عباده ألا يطعموا إلا الحلال الطيب ليطيب عيشهم، وربكم الخالق وحده هو الذي يعلم ما يصلح الإنسان وما يفسده، وهو أحق في تحديد الطيب من الخبيث؛ لأنه هو الخالق لكل شيء.

وللحديث بقية إن شاء الله.