عاجل

علوم القرآن الكريم وارتباطها بالعلوم الأخرى (4) تابع مصدر القراءات ونشأتها

  • 37

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد دار الحديث في المقال السابق حول مصدرية القرآن الكريم، وقد أوضحنا: أن القرآنَ الكريم بحروفه ولهجاته المختلفة وحي من عند الله تبارك وتعالى، نَزَل به جبريلُ عليه السلام على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دعمنا هذا بالأدلة الصريحة الواضحة من الكتاب والسنة. 

وفي هذا المقال سيخصص الحديث حول نشأة علم القراءات القرآنية وبدايتها، فنقول وبالله التوفيق: إن نشأة هذا العِلْم تبدأ منذ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وحتى بداية عصر التدوين، فمن المعلوم أن هذا القرآن العظيم نُقِل بالسند المتواتر من الله تعالى إلى جبريل عليه السلام ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتلقَّاه مِن جبريل، قال تعالى: "وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم"، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يلقى شِدَّة عند نزول الوحي فيتعجل القراءة، فنهاه الله عز وجل عن ذلك قائلًا سبحانه: "لا تحرِّك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه"، وقال تعالى: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضَى إليك وحيه وقل ربِّ زدني علمًا".

فتلقى النبي صلى الله عليه وسلم القرآنَ مِن جبريل عليه السلام حتى كان في العام الذي قُبِض فيه دارسه جبريلُ عليه السلام القرآنَ مرتين، ثم استمر هذا التلقي سُنَّة متبعة بعد ذلك؛ فقد قام الصحابة الكرام رضي الله عنهم بتلقي الوحي من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكيفية التي نَزَل بها جبريل عليه السلام مِن عند الله عز وجل، وظل هذا المنهج المتَّبَع في التلقي جيلًا عن جيلٍ، ونقلًا مِن الخلف عن السَّلف إلى يومنا هذا بالسند المتواتر موافقًا للرسم العثماني الذي بين أيدينا اليوم في المصاحف المقروءة والمتلوة، وكذا موافقًا لوجهٍ مِن وجوه العربية؛ سواء كان هذا الوجه أفصح أم فصيح، حيث جاء في منظومة طيبة النشر في القراءات العشر للإمام ابن الجزري رحمه الله قوله:

فكل ما وافق وجه نحو                    وكان للرسم احتمالًا يحوي

وصح إسنادًا هو القرآن                  فهذه الثــــــــلاثة الأركــان

فهذه أركان القراءة التي نزل بها القرآن وصارت حجة لا تقبل القراءة إلا بها؛ هذا وقد دَلَّ قوله تعالى: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله" على سماع جبريل عليه السلام مِن الله، وسماع النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام، وكذا سماع الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم، وكثيرا ما يذكر عن الصحابة: أن الصحابي كان يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاته بكذا وكذا، ويقرأ في يوم كذا بكذا، وسمعته في خطبته يقرأ بكذا وكذا.

فنقول: إن الذي نزل بمعناه جبريل عليه السلام هو السُّنَّة، وليس القرآن؛ فالسنة يجوز أن تُروَى بالمعنى، والسر في ذلك: أن القرآن لا ينزل بالمعنى؛ لأنه يتعبد بألفاظه وحروفه ومعانيه فلا يسوغ لجبريل عليه السلام أن ينزل إلا باللفظ التوقيفي من عند الله تبارك وتعالى، فمِن بركة هذا القرآن أن اللفظ الواحد منه يحمل تحته معاني كثيرة. 

ونكمل في المقال القادم بإذن الله تعالى.