عاجل

المواجهة!

  • 18

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فأصعب شيء فعلًا هو المواجهة أو إظهار الحقيقة وكشفها؛ حقيقة النفوس ومرادتها وتطلعاتها، والأصعب على النفس هو مواجهة النفس بهذه الحقيقة، ومن ذلك أننا كثيرًا ما نتحدث عن إنكار الذات والبعد عن السمعة وحب الظهور، ونتحدث عن أنه ليس من العيب أن تكون مغمورًا بين الناس معروفًا عند الله، وأنه لا يضيرك أن تكون في الساقة، ففي الابتعاد عن المقدمة والحراسة السلامة؛ نتحدث عن ذلك للناس وندعوهم إليه ونحثهم عليه، ونسرد لهم كل الأدلة وأخبار السلف الذين قضوا أعمارهم في خدمة الدين والإسلام، ولم يسعوا إلى منصب أو مكانة دنيوية ولم يأبهوا لها أبدًا.

أحاديث تجد قبولًا وتفاعلًا ورضا ممَّن يستمع إليها، ولكن هلا بحثنا في أنفسنا بحثًا دقيقًا؛ أنحن كهذه النماذج التي نحث غيرنا لامتثالها؟!

هل نحن ممَّن لا نريد ظهورًا، ولا سمعة ولا شهرة على الحقيقة؟!

ألا يؤثر فينا إن كنا في الساقة حقًّا؟! ولماذا لا نجرب أن نبتعد عن الصورة والمشهد، وأن نتوارى عن الأنظار فلا نسمع كلمات المدح والثناء التي تذبحنا؟!

ولماذا لا نرضى أن نكون نحن المغمورون؟!

إنها الحقيقة التي ينبغي أن نواجه أنفسنا بها، ويا ليتنا نفعل أو نقبل؛ لأننا عندها سنجد المبرر القوي الذي يمنعنا، لا من المواجهة، ولكن من القبول بالابتعاد، أو الوقوف في الصف الخلفي؛ إنه المبرر المعقول والمنطقي والقوي، وهو إذا فعلنا وابتعدنا فمَن سيقوم بالدور الذي نقوم به، ومن سيبذل مثل هذا الجهد الذي نبذله، أننا إذا وكأننا نتخلى عن ثغورنا التي نحميها؟

هي شعرة دقيقة لن يراها إلا ذو بصيرة نافذة يستطيع بها النفاذ إلى نفسه ليواجهها بالحقيقة، فهل يا ترى يمكننا المواجهة؟!