عاجل
  • الرئيسية
  • المقالات
  • الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (83) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (3)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (83) دين إبراهيم وهو دين جميع الأنبياء واحد وهو قائم على الوحي المُنَزَّل (3)

  • 31

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا . وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ‌وَكَلَّمَ ‌اللَّهُ ‌مُوسَى تَكْلِيمًا . رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء: 163-165).  

قال ابن كثير رحمه الله بعد أن ذكر حديث أبي ذر الطويل: "وروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة بسنده عن أبي أمامة: أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أمر الصلاة، والصيام، والصدقة، وفضل آية الكرسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الشهداء، وأفضل الرقاب، ونبوة آدم، وأنه مكلَّم، وعدد الأنبياء والمرسلين، كنحو ما تقدَّم.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخطه -وذكر السند عن أبي الوداك- قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني خاتم ألف نبي أو أكثر، وما بعث نبي يتبع إلا وقد حَذَّر أمته منه، وإني قد بُيِّن لي فيه ما لم يُبيَّن، وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى، كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه مِن كلِّ لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن.

وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي بسنده عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر، ما بَعَث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال...  وذكر تمام الحديث. هذا لفظه بزيادة: "ألف"، وقد تكون مقحمة، والله أعلم. وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم، (قلتُ: بل هذا الإسناد لا يصح، مجالد فيه حديثه لين، وأبي الوداك صدوق يهم؛ فمثل هذا لا يُصَحَّح).

وقد روي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه، رواه الحافظ أبو بكر البزار عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإني قد بُيِّن لي ما لم يُبيَّن لأحدٍ منهم، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور. (قلتُ: فيه مجالد أيضًا، وهو لين الحديث).

قوله تعالى: (‌وَكَلَّمَ ‌اللَّهُ ‌مُوسَى تَكْلِيمًا): هذا تشريف لموسى عليه السلام بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم. وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عن عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلا يقرأ: (‌وَكَلَّمَ ‌اللَّهُ ‌مُوسَى تَكْلِيمًا) (قلتُ: أي: بنصب لفظ الجلالة الله ليكون موسى هو الذي تكلَّم)، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأتُ على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن، على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌وَكَلَّمَ ‌اللَّهُ ‌مُوسَى تَكْلِيمًا) (قلتُ: أي: برفع اسم الجلالة).

وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش رحمه الله على مَن قرأ كذلك؛ لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلَّم موسى عليه السلام أو يكلِّم أحدًا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: "وكلم اللهَ موسى تكليمًا"، فقال له: يا ابن اللخناء؛ فكيف تصنع بقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا ‌وَكَلَّمَهُ ‌رَبُّهُ) (الأعراف: 143)، يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف، ولا التأويل.

وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما كلَّم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء. وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا (قلتُ: يعني أنه يكون من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب).

وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردويه، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان على موسى يوم كلَّمه ربه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي. (قلتُ: وهو أيضًا حديث ضعيف).

وقال ابن مردويه بإسناده عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن الله ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة، في ثلاثة أيام، وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب. وهذا أيضا إسناد ضعيف، فإن جويبرًا ضعيف، والضحاك لم يدرك ابن عباس رضي الله عنهما.

فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: لما كلَّم الله موسى يوم الطور، كلَّمه بغير الكلام الذي كلَّمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب، هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها، وأنا أقوى من ذلك. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن. قال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه لنا. قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق فإنها قريب منه، وليس به. وهذا إسناد ضعيف، فإن الفضل الرَّقَاشِي ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ (قلتُ: أي: ضعيف جدًّا).

وروى عبد الرزاق عن كعب قال: إن الله لما كلم موسى كلمه بالألسنة كلها سوى كلامه، (قلتُ: في رواية ابن جرير بالألسنة كلها قبل كلامه، يعني قبل كلام موسى)، فقال له موسى: يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال: يا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا وأشد خلقي شبهًا بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق. فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل، وفيها الغث والسمين. (قلت: وهذا والله أعلم مصدر عامة هذه الأخبار؛ فهي من الإسرائيليات ومن النكارة فيها: إنكار أن يكون موسى سَمِع كلام الله الذي كلَّمه به). 

وقوله: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) أي: يبشرون مَن أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون مَن خالف أمره، وكذَّب رسله بالعقاب والعذاب.

وقوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبيَّن ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذرٍ عذر، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ ‌بِعَذَابٍ ‌مِنْ ‌قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) (طه: 134)، وكذا قوله تعالى: (‌وَلَوْلَا ‌أَنْ ‌تُصِيبَهُمْ ‌مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص: 47).

وقد ثَبَت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين"، وفي لفظ آخر: من أجل ذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه. (قلتُ: وهذا الحديث مِن أوضح الأدلة على عُذْر مَن لم تبلغه الحجة الرسالية؛ فهو دليلنا على مَن خالفنا في قضية العذر بالجهل الناشئ عن عدم البلاغ)" (انتهى من تفسير ابن كثير).

وللحديث بقية إن شاء الله.