رقيق القلب

  • 34

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهلُ الجنَّةِ ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مُقسِطٌ موفَّقٌ، ورجُلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ بكلِّ ذي قُربى ومُسلِمٍ، ورجُلٌ فقيرٌ عفيفٌ مُتصدِّقٌ"، ورقة القلب لكل مسلم، معنىً في غاية اللطف والحنان، وإن طول الزمن قد يخفف من رقة الشعور، وتطاول الأيام قد ينسي بعض القِيَم، وتقادم العهد قد يغير المشاعر القلبية ما لم يتعاهد المرء نفسه ويجلو قلبه، ليبقى حاضر الفكر، واعي القلب، يقظ الإحساس.

ولأن اللين ظاهرة سلوكية تنبع عن قلب لين؛ فقد عاتب ربنا عز وجل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم حين رأى منهم تغيرًا في القلوب، قال الله تعالى: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ"، وحدث ابن مسعود فقال: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين"، وزاد في رواية: "فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟"، فإن كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قد احتاجوا إلى تلك اللفتة القلبية بعد أربع سنوات من إسلامهم، فكم تحتاج قلوبنا إلى تعهد وتزكية؟!

نحتاج الى نزع القسوة من قلوبنا نحو إخواننا إذا كان قصدنا الفوز برضا الله عز وجل، والنجاة من النار؛ فإن المسلم لينال باللين ما لا يناله بالغلظة والشدة، كما في الحديث: "حُرِّم على النار: كل هيّن ليّن سهل، قريب من الناس"، ويمكن أن يكون تكلف السلوكيات اللينة مدخلًا إلى اكتساب اللين القلبي، فقد شكا رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له: "إن أردت أن يلين قلبك؛ فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم".

والرفيق الرحيم أحق الناس برحمة الله عز وجل كما في الحديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، ولا ينفي كل ما مضى أن المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم، ولا أنهم يغضبون لله، كما أنهم يلينون لوجه الله عز وجل.