بصائر أولي النهى

  • 37

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبينما يجلس العالم الرباني إمام أهل السنة أحمد بن حنبل يعلِّم الناسَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، وينقل مذاهب السلف الأكارم كما تلقاها عمَّن سبقه جيلًا بعد جيل؛ إذ يأتيه تلميذ له مثنيًا على شيخ يسمع منه المواعظ البليغة، حاكيًا له أن هذا الشيخ يحضر له الكثير من الناس يبكون خشوعًا من جميل كلامه ومنمق عباراته المؤثرة في نفوسهم، وأنه يسمع منه كلامًا في التزكية لم يسمع مثله من غيره.

فكان رد فعل الإمام أن يتبيَّن ما جاءه به الخبر وأن يستوثق مما حدثه به التلميذ، فيقول لهم: أخبروني عن موعد مجيئه حتى أسمع منه، كما روى ابن كثير عن إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي أحمد بن حنبل: هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك؟ فقلت: نعم! وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث، فقلت له: إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك، فلما كان بين العشاءين جاءوا وكان الإمام أحمد قد سبقهم فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئًا، بل جاءوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتًا مطرقي الرؤوس، كأنما على رؤوسهم الطير، حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل سأله رجل مسألة، فشرع الحارث يتكلم عليها وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ، فجعل هذا يبكي وهذا يئن وهذا يزعق، قال: فصعدت إلى الإمام أحمد إلى الغرفة فإذا هو يبكي، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح، فلما أرادوا الانصراف، قلتُ: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما رأيت أحدًا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم.

وكانت هذه الكراهة من أحمد للاجتماع بهم والحضور معهم؛ لعدة أمور، أهمها أمران:

1- إن في كلامهم من الغلو في التقشف وشدة السلوك ما لم يرد في الشرع، وفيه من المبالغة في التدقيق والتفتيش والتعمق في المحاسبة ما لم يأتِ به أمر.

2- ولدخولهم في علم الكلام الذي بالغ أئمة أهل السنة جميعًا -بلا خلاف سابق- في التحذير منه، قال البيهقي: "إنه كره له صحبتهم؛ لأن الحارث وإن كان زاهدًا، فإنه كان عنده شيء من علم الكلام، وكان أحمد يكره ذلك".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإنما هجره؛ لأنه كان على قول ابن كلاب الذي وافق المعتزلة على... ) وذكر أشياء. وقال أيضًا: "... هذا الأصل هو مما أنكره الإمام أحمد على ابن كلاب وأصحابه حتى على الحارث المحاسبي مع جلالة قدر الحارث، وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية، وقال: احذروا من حارث، الآفة كلها من حارث، فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر قليل بسبب تحذير الإمام أحمد عنه، مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل من عامة من وافق ابن كلاب على هذا الأصل".

وقريبًا من ذلك ما نقله السمعاني في الأنساب: "وكان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه الكتب فيه ويصد الناس عنه".

قال الذهبي في السِّير: "قلتُ: المحاسبي كبير القدر، وقد دخل في شيء يسير من الكلام فنقم عليه، وورد أن الإمام أحمد أثنى على حال الحارث من وجه، وحذر منه".

نعود فنقول: قد سمع الإمام أحمد منه وأنصفه، لكنه ببصيرة العالم النافذة ورؤيته الثاقبة، نهاهم أن يحضروا له، وأن يتعلموا منه؛ لما يراه مِن عواقب طريقته ومآلات كلامه.

وبغض النظر عن صحة تفاصيل تلك القصة؛ إلا أنه من الثابت عن الإمام أحمد التحذير من الحارث المحاسبي، ومن ذلك ما جاء في طبقات الحنابلة: أن الإمام أحمد لما سُئِل عن الحارث: احمرّ لونه وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط ثم جعل ينتفض ويقول: ذاك؟! فعل الله به وفعل، ليس يعرف ذاك إلا من خبره وعرفه، ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم؛ هلكوا بسببه!"، "لا يغرك خشوعه ولينه"، وقال: "لا تغتر بتنكيس رأسه... "، وكان يقول: "حارث أصل البلية" (انتهى).

بل ثبت التحذير أيضًا عن بعض تلامذة الإمام أحمد ومعاصريه، قال البرذعي: "شهدت أبا زرعة الرازي سئل عن الحارث المحاسبي، وكتبه؟ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب، هذه كتب بدع وضلالات؛ عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغني عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة، قال: مَن لم يكن له في كتاب الله عبرة، فليس له في هذه الكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات، والوساوس، وهذه الأشياء، هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم فأتونا مرة بالحارث المحاسبي، ومرة بعبد الرحيم الذبيلي، ومرة بحاتم الأصم، ومرة بشقيق البلخي، ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع!".

ولما وقف أبو زرعة على كتاب الحارث المسمى بالرعاية قال: "هذا بدعة"، ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب: "عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة".

وقد يكون هذا الكلام الشديد من الإمام أحمد وتلامذته الكبار مستغربًا من تلاميذ له آخرين؛ لأنهم لا يرون إلا مشكلة قد تبدو صغيرة، أو انحرافًا يسيرًا جدًّا، بل قد لا يدركون هذا الانحراف أصلًا، وهنا يظهر العالم الرباني الذي يدرك الفتنة وهي مقبلة، فإنها إذا أدبرت عرفها كل أحد، لكن بعد فوات الأوان.

العالم الرباني هو الذي يكون سببًا في حراسة عقيدة الناس وحماية المنهج، وسد ذرائع الفتنة بقوة وحكمة، وعدل وإنصاف في نفس الوقت، فقبل هؤلاء -أعني ابن كلاب والحارث المحاسبي وأمثالهم- كان هناك حد فاصل بين علم الكلام من جهة، وبين الفقهاء والمحدثين والعلماء من جهة أخرى، فكانت الخطورة في خرق هذا الجدار، ووجود مَن ينخرط مِن المحسوبين على أهل الحديث في علم الكلام، واستعماله ولو قليلًا، والتأثر به ولو يسيرًا.

قبل هؤلاء أيضًا كانت التزكية عند أهل السنة سهلة واضحة ميسرة بيُسر الإسلام نفسه، مع مجانبة البدع والمحدثات، والاكتفاء بالوحي المنزل، والسير على خطى الجيل الأول، فكانت خطورة هذا التوغل في الحديث عن الخطرات والوساوس، واستعمال المصطلحات المجملة التي يكمن في طياتها الخطر البالغ، ورسم سبل محددة للتزكية لم تُؤثر عن السلف، ومهما كانت زاوية الانحراف قليلة؛ فإن المسافة بين الضلعين تزيد باستمرار.

وتمر الأيام ويموت الاثنان رحمهما الله تعالى؛ يموت العالم الإمام في جنازة مهيبة لم يُرَ مثلها، ويموت الشيخ الواعظ مهجورًا لم يصل عليه إلا نفر يسير! وتثبت الوقائع بما آلت إليه الأمور ما يدل على خطورة هذا الانحراف -الذي كان باديًا لأول وهلة يسيرًا-؛ سواء من جهة تسلل علم الكلام لبعض أهل الحديث، أو من جهة البدع والمحدثات في تزكية النفس وتربيتها، فكان أبو محمد بن كُلَّاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه، هو -أي: ابن كلاب- وأئمة أصحابه: كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وغيرهم.

فمن جهة علم الكلام تلاهم جيل الأشعري، ثم الباقلاني وابن فورك، وغيرهما، مرورًا بالغزالي والجويني، ثم الانحراف الأشد على يد الرازي ومَن تبعه.

وأما مِن جهة التصوف: فذهبت الفتنة بهم كل مذهب، فكان أحسنهم مَن اقتصر على البدع العملية -وهم قليل-، ومنهم مَن زاد على ذلك؛ مرورًا بالانحرافات العقدية والأفعال الشركية، وانتهاءً بعقائد الحلول والاتحاد، ودركات التصوف الفلسفي، وتلاشى ما يسمَّى بالتصوف السني -إن كان قد سبق له وجود أصلًا!-، فالانحراف اليسير -الذي قد يكون بحسن نية من البعض عن جهل بمآلات الأمور- كان بداية السقوط في الهوة السحيقة، وخطوات الشيطان في الغواية ليس لها نهاية، وللعلماء الربانيين أهل البصائر فراسة إيمانية يرون بها عواقب الأمور ومآلاتها.

وكما قال أبو الدَّرداء: "اتَّقوا فِرَاسَة العلماء؛ فإنَّهم ينظرون بنور الله، إنَّه شيء يقذفه الله في قلوبهم، وعلى ألسنتهم"، وقال ابن القيِّم: "الفِراسة الإيمانيَّة... سببها نورٌ يقذفه الله في قلب عبده، يفرِّق به بين الحقِّ والباطل، والصَّادق والكاذب، وهذه الفِرَاسَة على حسب قوَّة الإيمان".

وهذه الفراسة الإيمانية هي بعينها البصيرة: قال الله تعالى: "وَاذكُر عِبَادَنَا إبرَاهِيمَ وَإسحَاقَ وَيَعقُوبَ أُولِي الأَيدِي وَالأَبصَارِ"؛ قال ابن القيم: "أي: البصائر في دين الله عز وجل، فبالبصائر يُدرك الحق ويُعرف، وبالقوة يُتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورُزقت فيها فهمًا خاصًّا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد سُئل: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه".

فعلينا في تلك الفتن أن نأخذ بأسباب تحصيل البصيرة في نفوسنا وفيمن حولنا، والتي ذكرها الإمام ابن القيم وغيره فلتراجعها، وخلاصتها: العلم النافع والعمل الصالح، وكما قال ابن الجوزي: "مَن أحب أن يكون للأنبياء وارثًا، وفي مزارعهم حارثًا؛ فليتعلم العلم النافع، ففي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء)، وليحضر مجالس العلماء؛ فإنها رياض الجنة".

ومن العواصم: الرجوع إلى أهل العلم أرباب البصائر فيما عرض لك من المسائل والقواصم، وسيبقى الدعاء والتضرع إلى الله واللجوء إليه، هو أعظم الأسباب؛ فإنه لا عاصم مِن أمر الله إلا مَن رحم.

وخلاصة القول: "يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤتِكُم كِفلَينِ مِن رَّحمَتِهِ وَيَجعَل لَّكُم نُورًا تَمشُونَ بِهِ وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، "يَا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجعَل لَّكُم فُرقَانًا وَيُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظِيمِ".

والحمد لله رب العالمين.