ضيِّع وقتك!

  • 106

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرًا ما نسمع هذه العبارة حينما نجد مَن يجلس وقتًا طويلًا دون فائدة؛ سواء كان يقضيه في اللعب واللهو والنوم، أو في فعل المحرمات، وإذا سألته: ماذا تفعل؟ قال: أضيع الوقت! رغم أن الوقت هو الحياة، وكأنه يقول أضيع حياتي!

ألا يدري أنه سيندم في وقتٍ لا ينفع فيه الندم على فوات دقيقة من عمره لم يقضها في فائدة، بل سيطلب من الله عز وجل أن يرجع إلى الدنيا يعيش فيها ولوساعة واحدة؛ ليعوض ما فاته ويستغل هذه الساعة في أمور تغيِّر مسار حياته من الجحيم إلى النعيم، لكن للأسف ما فات لن يعود، قال تعالى: "وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ".

ألا يقف مع نفسه وقفة؛ ليعلم أن هذا الوقت منحه الله للعبد ليختبره في أي عمل سيستغله؟ هل استفاد منه في الأعمال الصالحة فأطاع الله ورسوله، وعلم وتعلم واستثمر كل لحظه في أداء ما عليه من واجبات، أم ترك نفسه للهوى والشيطان، يميلان به يمينًا ويسارًا؟! غفلة تلو غفلة، حتى تأتي لحظة زاد عليه المرض فيها، وكبر سنه، وضعف بصره، وانحنى ظهره، واقترب من الموت فيطلب مزيدًا من الوقت ليتوب! لكن هيهات هيهات، قال تعالى: "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ ‌رَبِّ ‌ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ".

أحتاج أنا وأنت أخي إلى معرفة ما ينفعنا وما يضرنا؛ فلو جلسنا نتدبر كلام الله عز وجل مثل ما نجلس على مواقع التواصل نقلب الصفحات، أو نجلس في مجلس علم لدراسة كتاب أو صلح بين الناس أولى من الجلوس في المقاهي  نجاهر بكلمة: (نضيع الوقت!)؛ رغم أنه ليس ملكنا، بل العمر كله سنسأل عنه يوم القيامة، كما في سنن الترمذي من حديث  أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ".

وما أجمل ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى: "السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمَن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة".