خدمة المرأة في بيت زوجها

  • 47

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛    

فقد جاءت السنة النبوية، وامتلأت سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجهن الفضليات ببيان دور المرأة في بيتها، وخدمتها في بيت زوجها، وبيان ما كن يفعلنه، وكيف كان آباؤهن يوجهونهن في ذلك أو يعينونهن على ذلك؛ حفاظًا على استمرارية قيامهن بأدوارهن في حياتهن مع أزواجهن، واستمرارًا لعمارة البيوت، وحفظ الود وأداء الحقوق.

فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب النفقات: "باب عمل المرأة في بيت زوجها" عن علي رضي الله عنه: أنَّ فاطِمَةَ رضى الله عنها شَكَتْ ما تَلْقَى في يَدِها مِنَ الرَّحَى، فأتَتِ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَسْأَلُهُ خادِمًا، فَلَمْ تَجِدْهُ، فَذَكَرَتْ ذلكَ لِعائِشَةَ، فَلَمَّا جاءَ أخْبَرَتْهُ، قالَ: فَجاءَنا وقدْ أخَذْنا مَضاجِعَنا، فَذَهَبْتُ أقُومُ، فقالَ: مَكانَكِ فَجَلَسَ بيْنَنا حتَّى وجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ علَى صَدْرِي، فقالَ: "ألا أدُلُّكُما علَى ما هو خَيْرٌ لَكُما مِن خادِمٍ؟ إذا أوَيْتُما إلى فِراشِكُما، أوْ أخَذْتُما مَضاجِعَكُما، فَكَبِّرا أربعا وثَلاثِينَ، وسَبِّحا ثَلاثًا وثَلاثِينَ، واحْمَدا ثَلاثًا وثَلاثِينَ، فَهذا خَيْرٌ لَكُما مِن خادِمٍ".

قال الطبري رحمه الله: "يُؤخذ منه أن كلَّ مَن كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز أو طحن أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج، إذا كان معروفًا أن مثلها يلي ذلك بنفسه.  ووجه الأخذ: أن فاطمة لما سألت أباها صلى الله عليه وسلم الخادم لم يأمر زوجها بأن يكفيها ذلك، إما بإخدامها خادمًا، أو باستئجار مَن يقوم بذلك، أو يتعاطى ذلك بنفسه، ولو كانت كِفَاية ذلك إلى علي لأَمَرَهُ به، كما أمره أن يسوقَ إليها صَدَاقَهَا قبل الدخول، مع أن سَوْقَ الصَّدَاق ليس بواجب إذا رضيت المرأة أن تؤخره؛ فكيف يأمره بما ليس بواجب عليه ويترك أن يأمره بالواجب؟!".

وروى البخاري ومسلم أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر -ذات النطاقين رضي الله عنها- أنها قالت: "تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وما له في الأرْضِ مِن مالٍ ولا مَمْلُوكٍ، ولا شَيءٍ؛ غيرَ ناضِحٍ وغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أعْلِفُ فَرَسَهُ، وأَسْتَقِي الماءَ، وأَخْرِزُ غَرْبَهُ، وأَعْجِنُ، ولَمْ أكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وكانَ يَخْبِزُ جاراتٌ لي مِنَ الأنْصارِ، وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وكُنْتُ أنْقُلُ النَّوَى مِن أرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتي أقْطَعَهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى رَأْسِي، وهي مِنِّي علَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا والنَّوَى علَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومعهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصارِ، فَدَعانِي، ثُمَّ قالَ: إخْ إخْ؛ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أَسِيرَ مع الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وغَيْرَتَهُ، وكانَ أغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ، فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلتُ: لَقِيَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعلَى رَأْسِي النَّوَى، ومعهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، فأناخَ لِأرْكَبَ، فاسْتَحْيَيْتُ منه وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فقالَ: واللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أشَدَّ عَلَيَّ مِن رُكُوبِكِ معهُ، قالَتْ: حتَّى أرْسَلَ إلَيَّ أبو بَكْرٍ بَعْدَ ذلكَ بخادِمٍ تَكْفِينِي سِياسَةَ الفَرَسِ، فَكَأنَّما أعْتَقَنِي".

ففي الحديث: بيان خِدمةُ المرأةِ لزَوْجِها، والقيامُ بجَميعِ ما يَحتاجُه، ورِعايةُ بَيتِها بنَفْسِها.

وفيه أيضًا: بيان غَيْرةُ الرَّجُلِ على أهلِه، وبيان واضح لمَكارمِ أخلاقِ الصَّحابةِ رضوان الله عليهم وحقيقة أبوتهم؛ فإنَّ أبا بكر رَضِيَ اللهُ عنه عَلِم ما كانت عليه ابنَتُه من الضَّرَرِ والمشَقَّةِ، ولم يطالِبْ صِهْره بشيءٍ من ذلك، بل كان مترقِّبًا لإزالةِ ذلك عنها، ولمَّا تمكَّن منه أزاله مِن عندِه.

والمقصود: هذه فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلق أجمعين، وسيدة نساء أهل الجنة، وتلك ابنة أبي بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم -خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين- أسماء ذات النطاقين، تعملان في بيتهما بنفسٍ راضيةٍ، ومحبة وودٍّ، وقيام حقيقي بالمسئوليات والواجبات مع ما يجدن مِن مشقة في أعمالهن تلك، ومع ذلك لم يجدن محرض لهن من آبائهن أو النساء مِن حولهن على ترك تلك الأعمال والمسئوليات، أو ترك الالتزام بها تحت دعوى العاطفة أو الحنية المزيفة أو أنها غير ملزمة!

فرضي الله عنهن وعمَّن تشبه بهن من نساء المؤمنين الفضليات بنات الأصول، ولا عزاء للنسويات أو أصحاب الأجندات من مفجِّرات استقرار البيوتات في مجتمعات المسلمين.