وقفات مع سورة الكهف (7)

  • 370

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلا زلنا نتواصل في الحديث عن سورة الكهف ووقفتنا السابعة مع قوله تعالى: "وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ"، والبعث التحريك عن سكون، أي: كما أنمناهم قرونًا بعثناهم، وفيه لطيفة جميلة؛ لأن في الإفاقة آية على عظيم قدرة الله تعالى مثل آية الإنامة؛ ولذلك لما أفاقوا تساءلوا: "لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ".

قال المفسِّرون: لأنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله سبحانه آخر النهار؛ ولهذا قالوا لبعضهم البعض: "لَبِثْنَا يَوْمًا"، ولما رأوا لشمس قالوا: "أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ".

قال الزمخشري: "وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب وأن لا يكون كذبًا، وإن جاز أن يكون خطأً؛ ولهذا الأمر ولأنهم غير متيقنين بذلك أرجعوا الأمر لله تعالى، "قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ".

قال السعدي رحمه الله: "والأدب فيمَن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه وأن يقف عند حده".

وعندما انتهى نقاشهم أرادوا الطعام قائلين: "فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ"، والمدينة هي طرطوس، والورق هي الفضة المضروبة.

"فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ"، ولفظة أذكي تعني: أطيب الطعام وأحله مكسبًا، وقيل: المراد أطهر ذبيحة، وكان غالب أهل المدينة كفار يذبحون لغير الله، والرزق القوت والطعام الذي تأكلونه.

ومع طلب الطعام لا بد من الحذر حتى لا يُكتشف أمرهم نصحوا من يذهب لشراء الطعام قائلين: "وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا"، أي: يتعامل بخفية؛ لئلا يُشعر به فيؤذونه، والسبب "إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ"، أي: بالحجارة، وذلك من أشنع أنواع القتل. وقيل: يرجموكم بالشتم والقذف؛ ليس هذا فحسب، بل ربما يكون العقاب، "أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ" أي: إلى ملة الكفر التي فررتم منها ودخلتم الكهف بسببها، وهذا أشنع من الرجم والسب والقذف.

وذلك يؤدي بكم إلى أنكم "وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا"، وها دليل على شدة إيمان الفتية ورغبتهم في الدِّين وفرارهم من كلِّ الفتن التي واجهتهم، وعدم الفلاح هنا يُقصد به عدم الفلاح في الدنيا والآخرة، ثم كانت المعجزة الخالدة.

"وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ": أي: أطلعنا الناس عليهم، وسُمي الإعلام إعثارًا؛ لأن مَن كان غافلًا عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه، فكان الإعثار سببًا لحصول العلم؛ ولذلك قال تعالى: "لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا"، أي: لبعض أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم الشك في حشر الأجساد؛ لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما للروح فقط، فلما عثروا عليهم حصل التنازع فيهم بينهم، "إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ"، والتنازع: الجدال القوي، والمعني: تنازع أهل المدينة بينهم في شأن أهل الكهف، مثل: أكانوا نيامًا أم أمواتًا؟ أيبقون أحياء أم يموتون؟ أيبقون في ذلك الكهف أم يرجعون إلى سكنى المدينة؟ وكذلك في مدة مكثهم، فلما ماتوا تنازعوا في أمرهم، "فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ" قاله المشركون: نبني عليهم بنيانًا فإنهم أبناء آبائنا نعبد الله فيه، وعلى الجانب الآخر: "قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا" قاله: ولاة الأمر بالمدينة، وقيل: هم المسلمون. قالوا: بل نحن أحق بهم منكم نبني عليهم مسجدًا نصلي فيه ونعبد الله فيه.

ولا بد هنا من التطرق لفائدة مهمة من هذا النقاش حيث قال ابن تيمية رحمه الله: "اعلم أن أكثر أهل القبور من الأنبياء والصالحين يكرهون ما يُفعل عند قبورهم كل الكراهة، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه".

وذكر ابن كثير رحمه الله أنه روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يُخفى عن الناس.

وللحديث بقية إن شاء الله.