عِبَرٌ مِن التاريخ... كتمان العمل الصالح إلا إذا كان في إظهاره مصلحة

  • 29

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فعن أبي أسامة عن بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بَعِير نعتقبه، قال: ‌فنَقِبت ‌أقدامنا، ‌فنَقِبت ‌قدماي، ‌وسقطت ‌أظفاري، فكنا نلُفُّ ‌على ‌أرجلنا ‌الخِرَق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخِرَق، قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كَرِه ذلك، قال: كأنه كَرِه أن يكون شيئًا من عمله أفشاه، قال أبو أسامة: وزادني غير بريد: والله يجزي به" (أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له).

في هذا بيان من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه لسبب تسمية غزة ذات الرقاع بهذا الاسم، وأنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يركب الجمل الواحد ستة أشخاص بالتناوب فيما بينهم، فيركب أحدهم قليلًا ثم ينزل فيركب الآخر بالنوبة حتى يأتي على سائرهم؛ فتشققت أقدامهم ورَقَّتْ جلودها وتقطعت وورِمَت، وحدَث هذا لأبي موسى أيضًا، بل سقطت أظفاره، فكانوا يلُفُّون على أرجلهم قطعًا من القماش؛ فسميت غزوة ذات الرقاع؛ لما كانوا يلفون من هذه القطع على أرجلهم ويشدونها عليها.

ثم إن أبا موسى تلوَّم أنه حدَّث بهذا الأمر وكَرِه ذكر ذلك وقال: "ما كنت أصنع بأن أذكره"؛ يقول الراوي عنه وهو أبو بردة: "كأنه كَرِه أن يكون شيء من عمله أفشاه".

فتأمل في حرصه رضي الله عنه على إخلاصه في العمل ومراجعته لنفسه فيما يتكلم به من أعماله، فمع هذه الشدَّةِ التي أصابت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة ذات الرقاع، ومع أن في كلام أبي موسى إعلام الناس بصبر الصحابة ليقتدوا بهم؛ إلا أن أبا موسى كَرِه ذكر ما حدث لهم، وكَرِه أن يفشي شيئًا من عمله.

قال القاضي عياض في "إكمال المعلم": "وكراهة أبى موسى لذِكْر هذا بَعْدُ وأن يُفشى شيئًا من عمله فيه أن ما أصاب في ذات الله في نفس أو مال أن كتْمَه أولى وأعظم للأجر؛ لئلا يلحق بالتشكي، أو بالعجب بالعمل والتزين به، فتدخل فيه هذه الآفات، فخشي حط الأجر لذلك".

وقال القرطبي في "المفهم": "وفي هذا الحديث ما يدل على ما كانوا عليه من شدة الصبر والجلَد، وتحمل تلك الشدائد العظيمة، وإخلاصهم في أعمالهم، وكراهية إظهار أعمال البِر والتحدث بها إذا لم تدع إلى ذلك حاجة".

وقال النووي في "شرح صحيح مسلم": "فيه استحباب إخفاء الأعمال الصالحة وما يكابده العبد من المشاق في طاعة الله تعالى، ولا يُظهر شيئًا من ذلك إلا لمصلحة مثل بيان حكم ذلك الشيء، والتنبيه على الاقتداء به فيه ونحو ذلك، وعلى هذا يحمل ما وُجِد للسلف من الأخبار بذلك".

وقال ابن حجر في "فتح الباري": "وذلك أن كتمان العمل الصالح أفضل من إظهاره إلا لمصلحة راجحة كمَن يكون ممَّن يُقتدَى به".

أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

وكم في التاريخ مِن عِبَرٍ، فاعْتبروا يا أولي الأبصار.