حرب العاشر من رمضان كأنك تراها (4)

  • 81


يوم العاشر من رمضان (4)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد مضي نصف قرن هجري من الزمان على حرب العاشر من رمضان 1393 إلى رمضان 1443 هـ - السادس من أكتوبر، رَحَل -أو يكاد- مَن حضروا هذه الحرب أو عاصروها؛ فلزم علينا أن نذكِّر الأجيال الجديدة بهذه الحرب المجيدة، وما قدَّم المصريون فيها مِن تضحياتٍ، وما بذلوه من جدٍّ واجتهاد في قوة تحمُّل وصبر، وإخلاص وصدق حقَّقوا به مجدًا كبيرًا في ظروف أسوأ وأصعب بكثيرٍ مِن الظروف التي نعاني منها حاليًا؛ إنها روح العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر التي نفتقدها الآن، ونحن أحوج ما نكون إليها.

لقد أفقدت أحداث ونتائج الساعات الست الأولى من يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر العدو الإسرائيلي كثيرًا مِن توازنه العسكري، فقد كانت مفاجأة العدو بالحرب والعبور للقناة على طول الجبهة بعد ضربة جوية شاملة أصابت أهدافها، وبعد تمهيد نيراني مكثَّف حَرَم العدو من التصدي للقوات العابرة للقناة، ثم محاصرة نقاط خط بارليف، خط الدفاع الأول الثابت للعدو، وعزلها عن بعضها البعض، ثم توغل الجنود المصريون بالأسلحة المضادة للدبابات وللطائرات المحمولة كتفًا خلف نقاط خط بارليف المحاصرة للتصدي لتحركات الدبابات والمدرعات الإسرائيلية الاحتياطية القابعة خلف نقاط خط بارليف، والتي هي خط الدفاع الأول المتحرك، والتي كان لا بد أن تتوجَّه بدورها لإنقاذ ومعاونة نقاط خط بارليف التي تعرَّضت للهجوم، وتم بالفعل منع هذه الدبابات من تقديم المساعدة المطلوبة لنقاط خط بارليف.

ثم كان النجاح مع بدء دخول الليل في استكمال بناء جسور ومعديات وكباري تدفقت عليها القوات المصرية بغزارة من مشاة ودبابات ومدرعات، ومعها الأسلحة الثقيلة على طول القناة طوال ليلة (العاشر - الحادي عشر) من رمضان، كان ذلك كله كفيلًا بفقد العدو كثيرًا من توازنه، ومجبرًا له على مواجهة القوات المصرية طوال يوم الحادي عشر من رمضان السابع من أكتوبر على أوضاعه تلك السيئة؛ انتظارًا لوصول قوات الاحتياط الإسرائيلية الضخمة، والمتوقع اكتمال وصولها ومشاركتها في القتال صباح يوم الاثنين الثاني عشر من رمضان - الثامن من أكتوبر، مع ثقة كاملة من قادة الجيش الإسرائيلي في قدرة هذه القوات بعد اكتمال تعبئتها على قلب موازين الأمور لصالح إسرائيل مهما توغل المصريون، أو فقدت إسرائيل من خسائر في الأفراد والمعدات.

لم يعد هناك حاجر مائي يمنع تدفق المصريين إلى سيناء:

حصون خط بارليف المنيعة لم تعد لها فاعلية، ولم تعد الخط الدفاعي المأمون بعد سقوط ومحاصرة معظمها، وقد استفادت القوات المسلحة من دراسة أوضاع العدو خلال حرب الاستنزاف، فأقامت ساترًا ترابيًّا على الضفة الغربية، وأنشأت عليه مصاطب للدبابات أعلى ارتفاعات الساتر، تمكِّن هذه المصاطب المرتفعة الدبابات عند التقدُّم إليها من السيطرة على الجهة المواجهة لها حتى آخر مدى لهذه الدبابات من خلال الضرب المباشر، وأيضًا استخدام هذه المصاطب في توجيه نيران مدفعيتنا.

كان المتوقع عند الخبراء العسكريين أنه حال توجيه الضربة الجوية الشاملة للعدو على طول الجبهة أن تصل الخسائر إلى 25 % من الطائرات المصرية المهاجمة، ولكفاءة الضربة الجوية كانت الخسائر فقد خمس طائرات فقط من مجموع 220 طائرة، أي: نحو 2 % تقريبًا من عدد الطائرات المهاجمة مع تحقيق نحو 90 % من الأهداف المطلوبة.

وكان المتوقع عند الخبراء العسكريين أنه حال محاولة اقتحام القوات المصرية للقناة أن تكون خسائر الاقتحام 65 % من الأفراد المقتحمين، وبالتالي استحالة -أو صعوبة- استكمال القتال لاسترداد الأرض في ظل هذه الخسائر الفادحة؛ خاصة إذا حوَّل الإسرائيليون سطح القناة إلى نار حارقة بتغطية مياه القناة بالنابالم من خلال خزانات ملحقة بنقاط خط بارليف، بها أطنان من مادة النابالم الحارقة، والتي تمكَّنت القوات المصرية من تعطيلها قبل بدء العبور الكبير حسب الخطة الموضوعة.

وكان المتوقع استحالة التغلب على الساتر الترابي على الضفة الشرقية على طول الجبهة؛ لضخامته، وشدة ارتفاعه، وميله الحاد الذي يصعب معه تسلقه والصعود عليه، فتم إقامة عشرات الفتحات بعرض 6 أمتار للفتحة الواحدة؛ للسماح بإقامة الكباري والجسور عندها، وعبور الدبابات والمدرعات من خلالها، حيث استخدم في إزالة كل فتحة 4 طلمبات مياه نفاثة مستوردة من شركة ألمانية؛ بدعوى استخدامها في مكافحة الحرائق.

والنقاط الحصينة القوية خلف الساتر الترابي والمجهزة كل نقطة منها جيدًا للصمود في قتال يستمر لأشهر تعاملت معها القوات المصرية بعد عبور القناة بسرعة من خلال خطة معدة سلفًا، من خلال حصار النقاط القوية المؤثرة منها والتعامل معها لإسقاطها، ومنع أي نيران تخرج منها تمنع عبور باقي القوات المصرية للقناة، أما النقاط الأقل تأثيرًا فيتم حصارها وشغلها بالاشتباك معها إلى أن يتم استسلامها.

وقد تعَّرفت القوات المصرية خلال حرب الاستنزاف على النقاط الحصينة لخط بارليف، وحدَّدت مدى قوتها، وتأثير كل منها على قواتنا، وبناءً على ذلك بنيت خطة الهجوم والاقتحام.

ومن اليوم الأول للمعركة بدأ سقوط نقاط خط بارليف الواحدة تلو الأخرى، وعند سقوط أول نقطة في يوم العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر، كان طعام الغداء لجنود النقطة موجودًا على الموائد؛ مما يؤكِّد أن وقوع الحرب لم يكن على البال؛ لذا كان الجنود في النقطة يمارسون حياتهم العادية، وهذا ما أكَّده أسرى العدو في هذا اليوم.

لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر: 

سقطت النقاط الحصينة رغم أنها كانت في مواقع محصنة تحصينًا غاية في القوة، فمتوسط ارتفاع الموقع منها يوازي ارتفاع ثلاثة طوابق، وهي ضاربة في عمق الأرض، جدرانها من الداخل شُيِّدت بحجارة ضخمة صلبة مدعمة بقضبان من الحديد وعروق الصلب، والأبواب صنعت من الحديد الصلب الذي لا يمكن اقتحامه إلا بالنسف المباشر، وكل موقع منها أصله ثابت في باطن الأرض ومقسَّم من الداخل، وترتبط أقسامه بممرات محفورة في الأرض، وبها آلاف من أكياس الرمال بعضها فوق بعض، ومن الخارج غطت كل الجدران والسقوف بأكياس من الرمل تعلوها تلال من الرمال (ردم)، وقد صبت هذه السقوف والجدران بالأسمنت المسلح السميك، وشدت من فوقها ومن تحتها عيدان الصلب لتتحمل الإصابات المباشرة.

والانتقال داخل الموقع يكون تحت الأرض من خلال دهاليز وممرات تربط أجزاءه، وفي داخل الموقع توجد عنابر واسعة لنوم الأفراد، وأماكن لتناول الطعام (الميس)، مزودة بأجهزة سينما للعروض السينمائية، وغرف للمعيشة مزودة بأجهزة الراديو وأدوات التسلية، أما غرف ومقرات القيادة فهي غرف عمليات مزودة بالتليفونات والأجهزة اللاسلكية، وفي أماكن أخرى مطابخ مزودة بالأفران والثلاجات، وهناك أيضًا حمامات مشيدة من الصاج الأبيض، ومخازن للمهمات والطعام والمرطبات، كما توجد عيادة طبية متواجد بها طبيب مقيم مع أفراد الموقع، فكل موقع تم تجهيزه بحيث يستطيع أفراده أن يعيشوا في باطن الأرض لأسابيع طويلة حالة التعرض للهجوم والحصار.

وقد زودت هذه المواقع بملاجئ للدبابات والعربات، وبغرف للاستطلاع ومزاغل للرؤية، ومكامن للأسلحة الخفيفة والمتوسطة؛ بالإضافة إلى المدافع والصواريخ والرشاشات، وقد أعدت ملاجئ للدبابات بحيث تتيح للدبابة الحركة فوق منزلق يتدرج إلى أعلى، وعند المشاركة في الاشتباكات تتحرك الدبابة فوق هذا المنزلق صاعدة حتى تخرج فوهة مدفعها من مخبأها فتطلق نيرانها ثم تعود متحركة إلى أسفل فوق المنزلق فلا يمكن رصد مصدر نيرانها أو ضربه، وزودت بعض المواقع بأكثر من منزلق للدبابات لتتحرك إلى أكثر من اتجاه لتتطلق منها طلقاتها وتعود هابطة، ثم تصعد من فوق منزلق آخر.

وفي غرف العمليات توجد نظارات من نوع خاص تشبه المستخدمة في الغواصات؛ لتمكين أفراد الموقع وهم تحت الأرض من رؤية كل ما يدور فوق سطح الأرض، أي: من داخل مكمنهم، إلى جانب مزاغل للرؤية المباشرة تخترق الجدران في بعض نقاطه المرتفعة، وقد تم إخفائها والتمويه عليها من الخارج؛ بالإضافة إلى مزاغل أخرى تطلق من خلالها قذائف وطلقات أسلحة الموقع.

وهذه النقاط منظمة بطريقة الدفاع الدائري التي توفر الدفاع من كلِّ الجهات حال الهجوم عليها، وقد جهزت هذه المواقع بوسائل الوقاية من الحرب الكيماوية، وأحيطت بحقول من الألغام، وهي تطبق نظام الدوريات المسلحة القوية فيما بينها التي توفِّر اتصال هذه النقط بعضها ببعض، وترصد وتمنع أي تسلل بينها، وفوق ذلك كله فهي متصلة لاسلكيًّا بقيادة القوات الجوية الإسرائيلية كي توفِّر لها الدعم الجوي عند التعرض لخطر، وهذا كله يكشف عن طبيعة المقاتل الإسرائيلي، كما وصفها القرآن الكريم: "لا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر".

 لقد خَرَج معظم هذا الخط الدفاعي المنيع من المعركة قبل أول ضوء في اليوم التالي للقتال، منهم مَن استسلم مبكرًا، ومنهم مَن اختفى أفراده داخل ملاجئهم، ولم يتمكَّنوا من إعاقة تقدُّم القوات المصرية إلى داخل سيناء، وقد تعرَّضت المواقع التي لم تستسلم للحصار الشديد، وتم شل فاعليتها في انتظار استسلامها.

ومن تلك المواقع المنيعة التي تم اقتحامها: الموقع المنيع شمال مدينة القنطرة شرق، الذي اختفى أفراده منذ بدء القتال داخل ملاجئهم، وأغلقوا خلفهم المداخل إلى قلب الموقع، وأوصدوا على أنفسهم الأبواب الصلب؛ فاستخدم المحاصِرون للموقع في اليوم التالي من القتال إحدى الدبابات في اختراق مدخل الموقع لتطلق مدفعها على الباب الصلب فتحطمه ليقتحم الرجال أجنحة الموقع وأقسامه وتستولي عليه، وترفع عليه عَلَم مصر.

وفي اليوم الثالث للقتال تكررت القصة مع الموقع الحصين المواجِه لقواتنا المتمركزة جنوب بور فؤاد، وفي اليوم الرابع للقتال سقط موقع حصين آخر قرب منطقة الشط، وكان الموقع مكونًا من ثلاثة طوابق: الطابق الأسفل مجهز بوسائل الإمداد والإعاشة، وبه ماكينة لتوليد الكهرباء وأجهزة للتهوية، ويضم الطابق الأوسط أماكن الإقامة والإعاشة، بينما خصص الطابق العلوي للمراقبة والقتال، ووضع فوق الطابق العلوي ردم رملي لحماية الموقع من الضربات المباشرة، ويضم الموقع 120 فردًا مزودين بالأسلحة والمدافع المتوسطة، ودبابات السنتورين، وعربات نصف مجنزرة، وعربات نقل، وقُرب هذا الموقع وعند لسان بور توفيق شمال خليج السويس كان هناك موقع استسلم قبل ظهر اليوم الثامن للمعركة بعد أن ظل أفراده محاصرون من اليوم الأول للقتال ولمدة أسبوع كامل معهم جرحى وقتلى، بينما كانت قواتنا توغلت لأكثر من 12 كيلو متر وراء الموقع داخل سيناء.

وفي يوم 12 أكتوبر اتصل مندوب الصليب الأحمر في القاهرة بقيادة القوات المصرية، وقدَّم طلبًا باستسلام أفراد الموقع، والتقطت القوات المحاصرة للموقع رسالة تطلب السماح لأفراد الموقع بالاستسلام للقوات المصرية بحضور مندوب الصليب الأحمر، وفي حضور مندوب الهيئة الدولية الذي وجَّه كلماته لأفراد الموقع عبر مكبِّرٍ للصوت للاستسلام بناءً على طلب قيادتهم، ففتح مَن بقي مِن أفراد الموقع باب الدشمة وخرجوا رافعين الراية البيضاء، وكان مِن بينهم طبيب الموقع، وحاخام الموقع، وخمسة عشر جريحًا، تم نقلهم جميعًا بالقوارب إلى الضفة الغربية للقناة حيث تمت مراسم التسليم، وأداء قائد القوة المستسلمة التحية العسكرية لقائد القوة المصرية، كما قام بتسليم العَلَم الإسرائيلي منكَّسًا، وتقديم التحية العسكرية للعَلَم المصري.

ارتباك القيادات الإسرائيلية:   

قائد الجبهة الجنوبية الإسرائيلي الجنرال (جونين) لما جاءته المعلومات التي تؤكِّد أن المصريين سيشنون الحرب مع نهاية نهار السادس من أكتوبر أراد أن يفاجئ القوات المصرية، فقرر عدم اتخاذ أي إجراءات على الجبهة تثير المصريين أو توحي لهم بأن إسرائيل ستقوم بضربة وقائية، ثم في الساعة الرابعة عصرًا تكون المفاجأة بأن تتحرك الدبابات الإسرائيلية لاحتلال مصاطب الساتر الترابي على الضفة الشرقية لضرب ومنع أي اقتحام من القوات المصرية للقناة، وبينما كان يؤكد أوامره من جديد لقادته في الثانية ظهرًا كان ردهم عليه أن المصريين يهاجموننا.

فوجئ العدو باستخدام الصواريخ المضادة للدبابات التي يحملها كتفًا أفراد المشاة المصريين، والتي تدربوا عليها تدريبًا جيدًا، فكانوا يتسابقون فيما بينهم في اصطياد دبابات العدو بها، فكانوا بمثابة صدمة عنيفة لدبابات العدو لم تكن في حسبانهم.

وذكر الجنرال (إيلي زعيرا) مدير الاستخبارات الإسرائيلية في مذكراته: أن النقاط القوية الأولى التي سقطت كان بها 450 مقاتلًا، انضم إليهم 55 فردًا من أطقم الدبابات التي تدمرت دباباتهم، وأن هؤلاء قُتِل منهم يوم 6 أكتوبر 126، وسقط منهم في الأسر 162، بينما نجا منهم 153 فردًا.

أما الدبابات: فمِن 280 دبابة إسرائيلية كانت موجودة لدى مجموعة عمليات سيناء يوم السادس من أكتوبر كان المتبقي منها صباح اليوم التالي 110 دبابة، وكانت معظم هذه الخسائر الفادحة في الدبابات في هذا اليوم نتيجة مواجهات في عمليات صغيرة قام بها أفراد المشاة المصريين وليست نتيجة معارك دبابات.

وذكر الجنرال (ديفيد اليعاذر) رئيس الأركان في مذكراته عن حرب أكتوبر: أن القوات الإسرائيلية لم تنجح في القيام بهجوم مضاد ناجح ومؤثِّر خلال يوم السبت السادس من أكتوبر لوقف تدفق المعدات الثقيلة إلى الضفة الشرقية. وذكر أن الإشارات أكَّدت عبور 30 ألف من الجنود المصريين للقناة في هذا اليوم، وأصبحوا يقاتلون على الضفة الشرقية للقناة، وظلت المعدات والأفراد تتدفق.

ومع الهدوء النسبي لنيران ضربة التمهيد المدفعي توالى ظهور الطيران الإسرائيلي، وكان متوقعًا أن توجِّه القوات الجوية الإسرائيلية جهودها لمعاونة القوات البرية الإسرائيلية، ومحاولة إيقاف الهجوم المصري وهو في مراحله الأولى، وهو ما حَدَث؛ إذ دفعت إسرائيل بقواتها الجوية في المعركة بمعدل عال وكثافة كبيرة خلال ساعات نهار 6 أكتوبر والنصف الأول من الليل، في مجهود ضخم لإيقاف الهجوم، وكان الرد من القوات الجوية الإسرائيلية سريعًا رغم عنصر المفاجأة للعدو؛ لأن القوات الجوية الإسرائيلية كانت جاهزة تمامًا للقتال قبل بدء المعركة؛ إذ كان هناك قرار مسبق بتعبئة القوات الجوية بعد رصد التحركات المصرية على الجبهة، بل كان هناك اقتراح من رئيس الأركان الإسرائيلي يوم الجمعة 5 أكتوبر بالقيام بضربة جوية إسرائيلية استباقية وقائية، ولكن الاقتراح لم تقره الحكومة الإسرائيلية في اجتماعها.

وقد تم رصد قيام العدو بتعبئة قواته الجوية واستدعاء احتياطيه من الطيارين 48 ساعة قبل بدء الحرب، وتم رصد رفع درجة استعداد القوات الجوية الإسرائيلية صباح يوم 6 أكتوبر، ومعلوم أن كل هجمة جوية تشارك فيها عناصر لكلٍّ منها مهمة محددة، فهناك المجموعة الضاربة المكلفة بمهمة القصف الجوي الفعلي، وهي التي تقتحم مناطق عمليات صواريخ الدفاع الجوي، وهي نحو ربع قوة الهجمة، وهناك مجموعة حماية ومعاونة، وغالبًا تعمل خارج مناطق المظلات الجوية، أي: خارج مناطق تدمير صواريخ الدفاع الجوي، ومجموعة إخماد صواريخ الدفاع الجوي، وهي تعمل خارج مناطق صواريخ الدفاع الجوي ومسلحة بصواريخ (جو - أرض)، وقد تصحب الهجمة الجوية مجموعة المطارات مكلفة بمهاجمة المطارات العسكرية لقفلها ومنع خروج الطائرات منها.

وأبرز ما قام به العدو يوم 6 أكتوبر: هجمته المركزة على القطاع الشمالي من الجبهة بقوة 44 طلعة لكل طائرة، وهجمته المركزة على القطاع الأوسط بقوة 32 طلعة لكل طائرة، وكان من المتوقع هدوء النشاط الجوي للعدو ليلًا، ولكن العدو رغبة في حسم المعركة لصالحه استخدم قواته الجوية بكثرة، فقام بنحو 500 طلعة طائرة في هيئة طائرات فردية أو زوجية في النصف الأول من ليلة القتال الأولى، وهو معدل أكثر من العالي، ومع ذلك وطوال اليوم والليل لم ينجح طيران العدو في تحقيق أهدافه، والسبب في ذلك: الدور الرائع الذي قام به حائط صواريخ الدفاع الجوي المصري، أيقونة حرب العاشر من رمضان - السادس من أكتوبر، والذي أذهل أداؤه العدو الإسرائيلي، إلى جانب تصدي المقاتلات الاعتراضية المصرية بكفاءة لطائرات العدو.

وكانت خطة الإعداد المصرية للمعركة متضمنة تواجد وحدات صواريخ الفرقة الثامنة (دفاع جوي) على مسافة 6 إلى 8 كم من القناة لتوفير الحماية للقوات البرية أثناء قتالها، على أن تنتقل إلى مواقع جديدة غرب القناة بعد إنشاء الكباري والسيطرة على الضفة الشرقية للقناة لتعميق الوقاية للقوات المصرية في الشرق.

ويجمل رئيس الأركان في اعترافاته عن يوم السادس من أكتوبر بأن القتال كان ضاريًا، وأن الدلائل تشير إلى القوات الإسرائيلية تواجه خطة دقيقة ومحكمة لا يعرف مداها أو أبعادها، وقد سقطت كل حسابات إسرائيل العسكرية التي بنت عليها خططها حال الحرب مع المصريين.

دوليًّا فوجئ العالمُ بقيام الحرب في وقت كانت أغلب دول العالم على قناعة تامة بعدم قدرة العرب على خوض أي حرب شاملة ضد إسرائيل، وأنهم مستسلمون للأمر الواقع أنه لا حرب ولا سلم، في مواجهة جيش إسرائيلي لا يقهر، وأن عبور القناة والتغلب على حصون خط بارليف شبه مستحيل، أي: أن العالم يبارك الوضع الجديد بعد حرب يونيو 1967 أن قناة السويس هي حدود إسرائيل الجنوبية مع مصر، وكانت الحرب مفاجأة معها اندهاش مما يفعله العرب، وفيها إشفاق على ما سيحدث لهم.

وبعد بداية الحرب بعدة ساعات وفي نيويورك قابل كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية أحمد حسن الزيات وزير خارجية مصر الذي كان في نيويورك لحضور اجتماعات عادية تقليدية للأمم المتحدة -كجزءٍ من الخداع الإستراتيجي الذي قامت به مصر يوم السادس من أكتوبر- فقال له محذرًا: (اسحبوا قواتكم من الشرق وعودوا إلى غرب القناة قبل أن توقع إسرائيل هزيمة منكرة بالجيش المصري، ووقتها لن تجد أمريكا قدرة على حلها). 

وفي اجتماع مجلس الحرب في العاشرة مساء السادس من أكتوبر، ذكر وزير الدفاع في تقريره: أن إسرائيل تواجه عددًا كبيرًا من القوات المصرية، والتي تغيَّرت كفاءتها كمًّا ونوعًا، وتواجه شبكة دفاع جوي مصري مؤثرة، وتواجه عامل الوقت في انتظار وصول الاحتياطات إلى الجبهة يوم الاثنين الثامن من أكتوبر، ورأى ديان أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى خطِّ دفاعٍ ثانٍ في سيناء، ولكن مجلس الحرب لم يأخذ برأي ديان.

وفي أمريكا تكوَّنت لجنة لدراسة ما يحدث في سيناء وتقدير الموقف الذي طرأ في الشرق الأوسط، وتوصلت اللجنة إلى حتمية تحطيم رؤوس الكباري المصرية خلال الساعات الأولى من نهار السابع من أكتوبر، على أن تقوم إسرائيل بتوجيه ضربة قوية لشبكة الصواريخ المصرية، وأن تتجنب إسرائيل القتال المباشر مع المصريين لحين وصول قوات الاحتياط، وتم إبلاع إسرائيل بما توصلت له اللجنة الأمريكية.

لقد استقر التنسيق الأمريكي الإسرائيلي على أن الأوضاع ستتغير تمامًا بعد استكمال وصول قوات الاحتياطي الإسرائيلية إلى الجبهة يوم 8 أكتوبر حيث ستشن إسرائيل هجوم مضاد موسع ينتهي برد القوات المصرية إلى الضفة الغربية للقناة، واحتلال الإسماعيلية والسويس، ومع يوم 9 أكتوبر وما بعده يمكن انعقاد اجتماعات لمجلس الأمن كما يشاء لاتخاذ قرارات توافق ما تمليه إسرائيل من شروط بعد تحقيق أهدافها العسكرية ودحر القوات المصرية.  

ومن هنا كانت الأوامر الصادرة لوزير الخارجية الأمريكية بمنع انعقاد مجلس الأمن قبل يوم التاسع من أكتوبر تحت أي ظروف حتى لا يقيد أو يعيق إسرائيل من القيام بهجومها المضاد الكاسح الذي سيقلب كل الموازين من جديد، ويصبح العرب بعده على حافة الكارثة.

وللحديث بقية إن شاء الله.