• الرئيسية
  • المقالات
  • كَشْفُ اللثَامِ مِنْ كَلَامِ الأَئِمّةِ الأَعْلَامِ (6) علماء الشافعية ورد عادية القبورية (1)

كَشْفُ اللثَامِ مِنْ كَلَامِ الأَئِمّةِ الأَعْلَامِ (6) علماء الشافعية ورد عادية القبورية (1)

  • 33

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فنداء أحد مِن الأنبياء أو الأولياء ودعاؤه لجلب نفع أو دفع ضر منهم بقول: (أغِثني يا فلان)، أو (أعطِني يا فلان)، شرك بإجماع الأئمة واتفاق الأمة، والخلاف في المسألة ليس سائغًا، ولا عبرة بمخالفة المتأخرين الذين أدخلوا في كتب الفقه بدع الاعتقاد والسلوك تحت ستار المذهبية، وقد أفتى جماعة من السادة الشافعية بتحريم هذه الاستغاثة وتغليظِ مُجَوِّزِها، وكذا التمسح بالقبور واتخاذ ساكنيها الأموات وسائط، ونبدأ بالصدر الأول من أئمتنا الشافعية.

قال الدميري في النجم الوهاج في شرح المنهاج: (‌ونص ‌الشافعي ‌على ‌أنه ‌إذا ‌قال: ‌أذبح ‌للنبي صلى الله عليه وسلم أو تقربًا له... أنه لا يحل أكلها)، وأيَّد هذا المنع الأذرعيُّ في "التوسط والفتح بين الرّوضة والشرح"، وحكى ابن الرِّفعة اتفاقَ المتقدمين الشافعية على ذلك، وحكمهم مبني على قوله تعالى: "‌وَمَا ‌أُهِلَّ ‌لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ"، فما بالنا اليوم بمئات الذبائح حول الأضرحة تُنْذر لها من العام للعام؟! والله المستعان،

وها هو ابن النحاس الشافعي (814هـ) في كتاب "الكبائر" يصرِّح بأن هذه الاستغاثة شرك، ومحادة لله ورسوله -لأنها لا تخرج إلا ممَّن اعتقد في الأموات نفعًا وضرًا وسمعًا واسعًا، وأن لهم تصرفًا كما صرَّح به كبير منهم- فيقول: (‌ومنها: ‌إيقادهم ‌السرج ‌عند ‌الأحجار ‌والأشجار، ‌والعيون ‌والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر، وهذه كلها بدع، ومنكرات قبيحة، تجب إزالتها، ومحو أثرها: فإن أكثر الجهال يعتقدون: أنها تنفع وتضر، وتجلب وتدفع، وتشفي المرضى، وترد الغائب إذا نذر لها، وهذا شرك، ومحادة لله ورسوله).

وقال أبو شامة الشافعي في كتاب: "الباعث على إنكار البدع والحوادث": (ومن هذا القسم أيضًا: ما قد عمَّ الابتلاء به، مع تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة، يحكي لهم حاك: أنه رأى في منامه بها أحدًا ممَّن شهر بالصلاح والولاية؛ فيفعلون ذلك ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقرِّبون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي ما بين عيون وشجر وحائط... فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث، وذكر الحديث، ثم قال: قال أبو بكر الطرطوشي: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة، أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء منها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها).

فقارن أخي الحبيب بين هؤلاء الأئمة الغيورين على جناب التوحيد، وبين مدعي العلم في زماننا ممَّن يدعون الناس للأضرحة وندائها والتمسح بها؛ طلبًا للنفع ودفع الضر! وإلى الله المشتكى.

وهذا المقريزي الشافعي (ت 845 هـ) في "رسائل المقريزي" يصرِّح بأن ما يجري عند تلك الأضرحة هو عبادة للصالحين وشرك في الألوهية هلكت بمثله الأمم، فيقول: (وشرك الأمم نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة ‌هو ‌الغالب ‌على ‌أهل ‌الإشراك، ‌وهو ‌شرك ‌عباد ‌الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات الذين قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، ويشفعون لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمَن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته، والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده وتقبح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى من أهلك من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله).

وقال: (قوم يزورون الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزيارة الشرعية، وقوم يزورونهم يدعون بهم، وهؤلاء هم المشركون وجهلة العوام والطغام من غلاتهم، وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد").

وللحديث بقية إن شاء الله.