• الرئيسية
  • المقالات
  • علوم القرآن وارتباطها بالعلوم الأخرى (6) مرحلة تلقي الصحابة القرآن الكريم من بعضهم وتلقي التابعين من الصحابة

علوم القرآن وارتباطها بالعلوم الأخرى (6) مرحلة تلقي الصحابة القرآن الكريم من بعضهم وتلقي التابعين من الصحابة

  • 28

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الرجل مهاجرًا، دفعه لأحد أصحابه، ليعلمه القرآن"، وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب". 

وهنا قد تثار شبهة، وهي: كيف يؤخذ القرآن من أربعة فقط، وقد ثبت في الآثار والأسانيد أنه تُلقِّي من غيرهم، وهل هذا يعد مخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟! 

والجواب من النووي وابن حجر، قال الإمام النووي: "هؤلاء الأربعة أكثر ضبطًا لألفاظ القرآن، وأتقن لأدائه، وإن كان غيرهم أفقه بمعانيه، وقد يكون هؤلاء الأربعة أخذوه مشافهة من النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم اكتفوا بأخذ بعضهم من بعض، أو أن هؤلاء الأربعة تفرَّغوا ليؤخذ عنهم، أو أنه صلى الله عليه وسلم أراد الإعلام بما يكون بعد وفاته من تقدم هؤلاء الأربعة وتمكنهم" (انتهى من شرح النووي على صحيح مسلم)

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأخذ عنهم في الوقت الذي صدر فيه القول، ولا يمتنع أن يكون غيرهم شارك في الإقراء، بل ربما كانوا أزيد منهم" (فتح الباري).

وسيأتي في المقال قصة القراء الذين في حادثة بئر معونة، إذ بلغ عددهم سبعين من القراء؛ مما يدل على أن غير الأربعة كانوا يقرؤون القرآن ويؤخذ عنهم. 

وكثيرًا ما نسمع مَن يقول: قرأنا على الشيخ فلان والشيخ فلان، وهذا لتفرغهم وضبطهم، وإن كان غيرهم لا ينافي الأخذ عنهم والجلوس بين أيديهم. هذا والله أعلى وأعلم.

وقد ذكر الذهبي في كتابه: (معرفة القراء الكبار)، أسماء الأعلام والكبار من قُرَّاء الصحابة: كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأُبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء رضي الله عنهم جميعًا، قال: "وهؤلاء الذين دارت عليهم أسانيد القراءات العشر، ولعل الإمام الذهبي اقتصر على هؤلاء مع أن هناك مِن الصحابة رضي الله عنهم مَن جمع القرآن، ولكن الأسانيد دارت على هؤلاء السبعة، وقد ذكر الذهبي رحمه الله مَن أخذ القراءة وتلقاها على أيدي هؤلاء من الصحابة والتابعين وغيرهم، فبلغ عددهم اثني عشر رجلًا، منهم: أبو هريرة، وابن عباس، وابن السائب، والمغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وحطان بن عبد الله الرقاشي، والأسود بن يزيد النخعي، وعلقمة بن قيس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن عياش، وأبو رجاء العطاردي، وأبو الأسود الدؤلي.

ولم يتوقف أمر الإقراء عند هؤلاء، لكن أردنا الاستدلال على أن الصحابة تلقَّى بعضهم من بعض، وحصر العدد أمر بعيد المنال.

وبعد عرضنا لهذه المرحلة من التلقي، يتبيَّن لنا أنه لا يتأكَّد لدينا أن الحفاظ من الصحابة قد تم حصرهم في هؤلاء النفر، فالوقائع التاريخية والأحداث والسِّير تنقل لنا ما يدل على أن عدد الحفاظ من الصحابة كانوا كثيرين. 

وعلى سبيل المثال: السبعين الذين قُتِلوا في حادثة بئر معونة، وكانوا من القراء، وفي معركة اليمامة استحر القتل في جيش المسلمين وخاصة في أهل القرآن حتى قُتِل سبعمائة من هؤلاء القراء؛ فكل هذا يدل على أنه لا يمكن حصر الحفظة من الصحابة رضي الله عنهم، والله أعلى وأعلم. 

هذا ما تيسر من الكلام عن مرحلة تلقي الصحابة القرآن من بعضهم، وكذا التابعين، وسيكون الكلام في المقال القادم حول بيان معنى الأحرف السبعة.

والحمد لله رب العالمين.